لعنة الاستعمار تلاحق فرنسا بقلم المهندس/حسب الله النور
لعنة الاستعمار تلاحق فرنسا بقلم المهندس/حسب الله النور

لعنة الاستعمار تلاحق فرنسا
بقلم المهندس/حسب الله النور
في سبتمبر، بدأت إضرابات المعلمين في فرنسا احتجاجًا على نقص الكوادر التعليمية وسوء أوضاع المدارس. ثم انضم الطلاب إلى الاحتجاجات، فأُغلقت بعض المدارس ونُظمت مظاهرات في مختلف المدن. ومع طرح الحكومة إجراءات مالية صارمة، اتسعت دائرة المطالب لتشمل الإنفاق العام والرواتب ومستوى المعيشة.
ولم تلبث الاحتجاجات أن امتدت إلى قطاعات أخرى، شملت الصيادين والعاملين في قطاع الطاقة والشرطة والنقابات، وسط تصاعد الاستياء من ارتفاع أسعار الوقود والطاقة وتكاليف المعيشة.
وقد شارك نحو 550 ألف شخص في المظاهرات الأخيرة. وبينما ظل معظم المحتجين سلميين، انخرطت مجموعات متشددة وعناصر تخريبية في بعض التحركات، فتحولت أجزاء من الاحتجاجات إلى أعمال نهب وإحراق واشتباكات مع الشرطة.
وفي خضم هذه الأحداث، حاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحويل التركيز من الأسباب الجوهرية للأزمة إلى أعمال النهب والتخريب، مستفيدًا من التغطية الإعلامية الواسعة لهذه الأحداث. غير أن اختزال المشهد في تلك التجاوزات لا يعالج جذور المشكلة، ولا يفسر اتساع رقعة الاحتجاجات وتعدد الفئات المشاركة فيها.
فالأزمة، كما أشار ماكرون نفسه، ترتبط باختلالات هيكلية تراكمت على مدى سنوات، من أبرزها ارتفاع الدين العام، وضعف الإنتاجية، وعدم كفاية الإنتاج في بعض القطاعات، إلى جانب تحديات اقتصادية واجتماعية أخرى.
إن إرجاع الأزمة الفرنسية إلى سبب واحد يُعد اختزالًا مُخلًّا بحقيقة المشهد. فبينما يعزو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جانبًا من المشكلات التي تواجهها الدول الغربية إلى الهجرة، يرى آخرون أن الاختلالات البنيوية في النظام الرأسمالي أسهمت في تعميق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
ومع أهمية هذه العوامل، ثمة جانب آخر لا ينبغي إغفاله عند تحليل الأزمة الفرنسية، وهو تراجع بعض الامتيازات الاقتصادية التي تمتعت بها فرنسا نتيجة انحسار نفوذها العسكري والسياسي في مناطق من إفريقيا، ولا سيما في شمال القارة وغربها.
الاستعمار الفرنسي وإرث الامتيازات الاقتصادية
لقد مثّل الاستعمار، على مدى عقود، أحد مصادر النفوذ الاقتصادي الفرنسي، ومكّن فرنسا من بناء علاقات غير متكافئة مع عدد من مستعمراتها السابقة. وبعد الحرب العالمية الثانية، وبالتزامن مع تصاعد حركات التحرر الوطني، سعت فرنسا إلى إعادة ترتيب علاقاتها مع مستعمراتها للحفاظ على مصالحها ونفوذها، حتى بعد انتهاء السيطرة الاستعمارية المباشرة.
وفي هذا السياق، أُنشئ الفرنك الإفريقي في ديسمبر/كانون الأول 1945، في عهد الجنرال شارل ديغول، عقب مصادقة فرنسا على اتفاقية بريتون وودز. ووفقًا لمؤسسة بروكينغز، أصبح الفرنك آنذاك عملة مستخدمة في المستعمرات الفرنسية بإفريقيا.
ولا يزال الفرنك الإفريقي يُستخدم اليوم في 14 دولة إفريقية جنوب الصحراء، ضمن ما يُعرف بمنطقة الفرنك الإفريقي، ويرتبط سعر صرفه باليورو.
وتضمن الخزانة الفرنسية قابلية تحويل العملة وفق ترتيبات نقدية محددة، فيما تنص الاتفاقيات ذات الصلة على إيداع نسبة من احتياطيات النقد الأجنبي لدى الخزانة الفرنسية. وقد بلغت هذه النسبة، وفقًا للتقارير المنشورة، 50% في إطار الترتيبات النقدية المعنية.
وقد أثارت هذه الترتيبات جدلًا واسعًا بشأن السيادة النقدية للدول الإفريقية، ومدى تأثيرها في استقلال قراراتها الاقتصادية، وما إذا كانت تحقق مصالح متبادلة أم تُبقي جانبًا من النفوذ الفرنسي قائمًا بأشكال جديدة.
المصدر: الجزيرة، 25 مارس/آذار 2025.
وإلى جانب الترتيبات النقدية، حافظت الشركات الفرنسية على حضور اقتصادي ملحوظ في القارة الإفريقية. فعلى الرغم من أن فرنسا ليست المستثمر الوحيد في المنطقة، فإن شركاتها راكمت استثمارات واسعة في عدد من الدول الإفريقية.
ووفقًا لما نشرته صحيفة «فرنسا اليوم» في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، يبلغ إجمالي رصيد الاستثمارات الفرنسية في القارة الإفريقية نحو 51 مليار يورو، موزعة على أكثر من 4400 فرع لشركات فرنسية.
كما بلغت الصادرات الفرنسية إلى دول شمال إفريقيا وغربها نحو 33 مليار يورو في عام 2022، بحسب بيانات الجمارك الفرنسية، وفقًا لما أورده موقع «نون بوست» في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وتبرز في هذا السياق قضية الموارد الطبيعية، ولا سيما اليورانيوم في النيجر، الذي ارتبط استغلاله تاريخيًا بمصالح الشركات الفرنسية، وفي مقدمتها شركة «أورانو» العاملة في القطاع النووي. وقد مثّلت النيجر، لسنوات طويلة، أحد مصادر إمدادات اليورانيوم للصناعة النووية الفرنسية، وهو ما جعل العلاقة بين البلدين تتجاوز حدود التعاون التجاري إلى قضايا أوسع تتعلق بالسيادة على الموارد الطبيعية وتوزيع عوائد استغلالها.
و قد شهدت العلاقات الفرنسية مع عدد من الدول الإفريقية تدهورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، ورافق ذلك تراجع الوجود العسكري الفرنسي في منطقة الساحل.
فقد انسحبت القوات الفرنسية من مالي والنيجر وبوركينا فاسو بين عامي 2022 و2023، في ظل تصاعد الخلافات السياسية والأمنية. كما أعلنت تشاد، في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، إنهاء اتفاقيات التعاون الدفاعي مع فرنسا، وطالبت القوات الفرنسية بمغادرة أراضيها. واتجهت السنغال بدورها إلى إنهاء الوجود العسكري الفرنسي على أراضيها.
ولم يُخفِ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التحديات التي تواجه بلاده في القارة الإفريقية. ففي خطابه الذي ألقاه في 27 فبراير/شباط 2023 بشأن الاستراتيجية الدبلوماسية الفرنسية في إفريقيا، تناول التحولات التي تشهدها القارة والمنافسة الدولية المتزايدة فيها، في ظل تراجع النفوذ الفرنسي في عدد من المجالات الاقتصادية والاستراتيجية.
المصدر: سياسة إفريقيا، 3 مارس/آذار 2023.
ولا يقتصر المشهد الاقتصادي الفرنسي على تراجع النفوذ الخارجي، بل يتزامن ذلك مع صعوبات داخلية تواجه الشركات الفرنسية. فقد أشار تقرير نشرته صحيفة «العربي الجديد» في 6 ديسمبر/كانون الأول 2025، استنادًا إلى بيانات البنك المركزي الفرنسي، إلى تسجيل 68 ألفًا و564 حالة إفلاس للشركات خلال الاثني عشر شهرًا المنتهية في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه.
وفي المقابل، لم تعد القارة الإفريقية تمثل سوى نسبة محدودة من إجمالي التجارة الخارجية الفرنسية. فبحسب ما أورده موقع «نون بوست» في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بلغت هذه النسبة نحو 5.3%، في مؤشر على محدودية الوزن النسبي للتجارة مع القارة ضمن مجمل المبادلات التجارية الفرنسية، رغم الأهمية التاريخية للعلاقات الاقتصادية بين الطرفين.
ومع توسع نشاط الشركات الصينية والأمريكية وغيرها من الشركات الدولية في الأسواق الإفريقية، تراجعت المكانة النسبية لبعض الشركات الفرنسية، واضطرت شركات منها إلى تقليص نشاطها أو مغادرة بعض الأسواق.
و من الواضح أن النفوذ الفرنسي في أجزاء من شمال إفريقيا وغربها أتاح لفرنسا، تاريخيًا، فرصًا اقتصادية واستراتيجية واسعة، في حين ظلت دول إفريقية عديدة تعاني الفقر وضعف التنمية، على الرغم مما تمتلكه من موارد طبيعية هائلة. وتثير هذه المفارقة أسئلة مشروعة حول طبيعة العلاقات الاقتصادية التي نشأت في ظل الاستعمار، ومدى استمرار بعض آثارها بعد الاستقلال.
من التحرر من الاستعمار إلى التحرر من التبعية
ومن هنا، أوجّه رسالة إلى المسلمين كافة، وإلى شعوب شمال إفريقيا وغربها على وجه الخصوص، وإلى حكام هذه المنطقة بصفة أخص:
إن ما تحقق من تراجع للنفوذ الفرنسي في بعض الدول الإفريقية يُعد خطوة مهمة في مسار استعادة السيادة و الانعتاق من الإستعمار ، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية المطاف. فالتحرر الحقيقي لا يكتمل بمجرد خروج القوات الأجنبية أو إنهاء اتفاقيات التعاون العسكري، بل يتطلب بناء استقلال اقتصادي وسياسي حقيقي يقوم على أساس الاسلام دين غالبية هذه الشعوب .
إن استبدال النفوذ الفرنسي بنفوذ أمريكي أو روسي أو صيني، من دون امتلاك مشروع ، لا يضمن تحقيق مصالح الشعوب الإفريقية، بل قد يؤدي إلى إعادة إنتاج التبعية بأشكال جديدة، تختلف أدواتها وتتبدل أطرافها، بينما تبقى النتائج على حالها.
إن المطلوب ليس استبدال قوة أجنبية بأخرى، وإنما بناء دول قادرة على إدارة مواردها، وتوجيه ثرواتها نحو التنمية، وتأسيس علاقات دولية قائمة على أساس العقيدة الإسلامية.
ولشعوب هذه المنطقة تاريخ عريق وتجارب حضارية تستحق أن تُستحضر، لا لمجرد التفاخر بالماضي، وإنما لاستلهام ما فيها من دروس في الوحدة السياسية، وبناء القوة، وتجاوز الانقسامات.
ومن أبرز هذه التجارب تجربة دولة المرابطين، التي نشأت في بلاد المغرب، وامتد نفوذها إلى أجزاء واسعة من شمال إفريقيا والأندلس. فقد قدّم الأمير أبو بكر بن عمر اللمتوني نموذجًا لقيادة ارتبطت، في مراحل من تاريخها، بتقديم اعتبارات الجماعة واستمرار المشروع السياسي على حساب الطموح الشخصي؛ إذ عاد إلى الصحراء بعد أن ترك يوسف بن تاشفين يتولى قيادة الدولة في المغرب.
كما يبرز يوسف بن تاشفين بوصفه أحد أبرز القادة الذين أسهموا في توحيد أجزاء واسعة من بلاد المغرب والأندلس. وقد انتصر على جيش ألفونسو السادس في معركة الزلاقة سنة 1086م، في مرحلة كانت الأندلس تعاني فيها الانقسام والصراع بين ملوك الطوائف.
وقد أسهم انتصار الزلاقة في إبطاء التوسع القشتالي، ثم تطورت الأحداث لاحقًا إلى ضم أجزاء واسعة من الأندلس إلى دولة المرابطين، بعد أن تزايدت المخاوف من عجز ملوك الطوائف عن مواجهة التحديات العسكرية والسياسية بمفردهم.
ولعل الدرس الأبرز الذي يمكن استخلاصه من هذه التجربة التاريخية هو أن الانقسام يضعف الأمم، وأن الوحدة والتعاون وبناء القوة الذاتية عوامل أساسية لحماية الاستقلال وصون المصالح.
إن شعوب شمال إفريقيا وغربها، بما تمتلكه من موارد طبيعية وموقع استراتيجي وإرث حضاري اسلامي، قادرة على بناء مستقبل أكثر استقلالًا وعدالة، شريطة أن تتحول المطالبة بالتحرر من النفوذ الأجنبي إلى مشروع عملي للتنمية، والتكامل الاقتصادي، وإقامة مؤسسات قوية، وتحقيق الوحدة في المصالح والمواقف.
فلتكون التحولات التي تشهدها إفريقيا بداية مرحلة جديدة من الاستقلال الحقيقي القائم على عقيدة الإسلام العظيم.
مهندس حسب الله النور




