اعمدة ورأي

منصة العري… مسرح الخواء في سوق الديمقراطية المزيفة د.أيمن محجوب عبد الله محمد

منصة العري... مسرح الخواء في سوق الديمقراطية المزيفة د.أيمن محجوب عبد الله محمد

منصة العري… مسرح الخواء في سوق الديمقراطية المزيفة
د.أيمن محجوب عبد الله محمد

مقدمة:
يقف المتعري محمد ترويس في الميدان، ليس كبطل تراجيدي يحمل رسالة، ولا كمصلح اجتماعي يهزّ الضمائر، بل كشاهدٍ على الانزياح الأكبر: الانزياح الذي يحوّل “الحرية” من مفهومٍ فلسفيٍّ عميقٍ ناضلت من أجله الإنسانية عبر العصور، إلى مجرّد ذريعةٍ للعبث، وغطاءٍ للفراغ. إنه س، ليس اسماً بل رمزاً، ليس شخصاً بل ظاهرةً، ليس فرداً بل حالةً من حالات الانهيار في عصرنا.
المتعري محمد ترويس لا يخلع ملابسه فقط، بل يخلع معها منطق المسؤولية، وجمال الاختلاف، ووقار الحوار. يظنّ أنه بكشف جسده يكشف زيف التابوهات، وهو لا يدري أنه يكشف فقط عن عورة فكريةٍ أشدّ قبحاً من أي عورة جسدية: عورة الخواء الذي يريد أن يملأ نفسه بالضوضاء حين تعجِز الأفكار عن ملء الصمت.
المفارقة التي تجعل من س شخصيةً تراجيكوميديةً بامتياز هي أنه يدّعي التحرّر وهو أسيرٌ لأسوأ أنواع العبودية: عبودية الانبهار بالصورة، والاستسلام للانفعال، والاستغلال السطحي لشعاراتٍ لم يفقه عمقها. يتحدث عن الديمقراطية وهو يفرض مشهده الأحادي على حشودٍ لم تستعدْ له، ولم تختره. يرفع شعار الحرية وهو يسلب حرية الآخرين في فضاءٍ عامٍ يجب أن يكون آمناً للجميع.
هذا المتعري محمد ترويس الذي يريد أن يحرّر الجسد، ينسى أن أسمى تحريرٍ للجسد هو تحريره من أن يكون سلعةً أو أداةَ صدمةٍ أو وسيلةَ استعراض. ينسى أن الجسد الحقيقيّ الحرّ هو ذلك الذي يحمل روحاً حرّة، وفكراً حراً، وضميراً حراً، لا ذلك الذي يكتفي بكشف نفسه كمحاولةٍ يائسةٍ لقول شيءٍ لم يتعلّم بعد كيف يقوله بالكلمات.
في مشهد المتعري محمد ترويس، لا نرى تمرداً على القيود، بل هروباً من مواجهة التعقيد. لا نرى شجاعةً في كسر المحرمات، بل جبناً من خوض معركة الأفكار. العري هنا ليس انكشافاً للصدق، بل قناعاً آخر يُخفي فراغاً أعمق.
في هذا المقال، سنحاول أن نفكك ظاهرة المتعري محمد ترويس لا كمشهدٍ فرديّ عابر، بل كعرضٍ من أعراض أزمة أكبر: أزمة الخطاب، وأزمة المفهوم، وأزمة الحوار في زمنٍ يحوّل كل شيءٍ إلى استعراض، وكل فكرةٍ إلى شعار، وكل حريةٍ إلى فوضى.
لن نناقش المتعري محمد ترويس الشخص، بل المتعري محمد ترويس الظاهرة. لأن الخطر ليس في شخصٍ يخلع ملابسه، بل في ثقافةٍ تخلع معها كلَّ ضوابط الحوار، وكلَّ آداب الاختلاف، وكلَّ حدود المسؤولية. فالحرية التي لا تحترم حرية الآخرين ليست حريةً، بل استبدادٌ جديدٌ باسم التحرر. والديمقراطية التي تفرض رؤية الفرد الواحد على الجميع ليست ديمقراطيةً، بل استبداد الأقلية الواحدة التي تتصرف كأنها الأغلبية المطلقة.
المتعري محمد ترويس يعرّي جسده أمامنا… والسؤال الأهم: هل نستطيع نحن أن نعرّي أفكاره أمامه؟ هل نستطيع أن نكشف خواء الخطاب الذي يختبئ وراء الصدمة الجسدية؟ هذا هو التحدي الحقيقي: أن نرد على العري بالحجة، وعلى الصرخة بالحوار، وعلى الفوضى بالبديل الواضح.
فالحرية الحقيقية لا تحتاج إلى من يخلع ثيابه، بل إلى من يخلع أقنعة الزيف، ويكسر قيود الخوف، ويبني جسور الحوار. والكرامة الإنسانية لا تُدافع عنها بالعري، بل بالعقل، ولا تُحمى بالفوضى، بل بالمسؤولية.
خطاب مزدوج في زمن الاستقطاب:
عندما يُقلع شخص ملابسه في فضاء عام مختلط أمام نساء وأطفال مدعياً الحرية المطلقة، فإن المشهد لا يطرح سؤالاً أخلاقياً فحسب، بل يكشف عن أزمة مرجعية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية المعاصرة. كثيرون تساءلوا: لماذا لا نخاطب مثل هذه الظواهر بلغة القرآن والسنة؟ والجواب البسيط والمعقد في آن واحد: لأننا نعيش في عالم تتصارع فيه مرجعيات متعددة، وحوارنا يجب أن يكون شاملاً يستمع إلى كل الأطراف بلغتهم الخاصة.
المرجعية الإسلامية: وضوح لا لبس فيه
لنكن واضحين من البداية: الإسلام يقدم رؤية متكاملة للجسد والفضاء العام. يقول الله تعالى: “يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ” (الأعراف: 31). والعورة في الإسلام لها ضوابط محددة، والاختلاط له آداب واضحة. الحديث النبوي الشريف يوصي: “لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة” (رواه مسلم). هذه النصوص وغيرها تشكل نظاماً قيمياً متماسكاً يحمي الكرامة الإنسانية والفضاء العام.
ولكن.. لماذا لا نبدأ بالخطاب الديني؟
الحقيقة المؤلمة أننا نعيش في زمن انقسام مرجعي. هناك من يرفض الدين جملة وتفصيلاً، ويعتبره “أفيون الحياة”. وفي مواجهة هذا الرفض، يصبح طرح الحجة الدينية أشبه بالحديث بلغة أجنبية لمن لا يعرفها ولا يريد معرفتها.
العقد الاجتماعي الغربي: عندما نتحدث بلغة الخصم
ما يسمى “بالثقافة الغربية” التي يؤمن بها هؤلاء ليست كتلة واحدة، بل هي تيارات متعددة. لكن حتى في أعمق الفلسفات الغربية الليبرالية، نجد حدوداً للحرية المطلقة:
جون ستيوارت ميل في كتابه “عن الحرية”: “الحرية الوحيدة التي تستحق الاسم هي حرية السعي لتحقيق مصلحتنا الخاصة بالطريقة التي نريدها، ما لم نحاول حرمان الآخرين من حريتهم أو عرقلة جهودهم للحصول عليها.”
إيمانويل كانط ومبدأ “التصرّف بحيث تعامل الإنسانية دائماً كغاية وليس مجرد وسيلة.”
الفيلسوف جون رولز ونظريته في العدالة التي تراعي حقوق الأقلية والأكثر ضعفاً.
حتى في أوروبا وأمريكا، ليست الحرية مطلقة. فالأماكن العامة تخضع لضوابط، والعري العام ليس حقاً مطلقاً. المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان اعتبرت في أحكام متعددة أن للدول الحق في تنظيم الفضاء العام لحماية النظام العام والصحة العامة والأخلاق.
المفارقة: الغرب يفرض ضوابط على حرية الجسد في الفضاء العام
في نيويورك، يمكنك أن ترى عروضاً فنية جريئة، لكن القانون يمنع التعري العام في الأماكن غير المخصصة لذلك. في العديد من الدول الأوروبية، يمكن للمرأة أن ترتدي ما تريد على الشاطئ، لكن ليس في الساحة العامة وسط المدينة. حتى في أقصى درجات الليبرالية، هناك تمييز بين الفضاء الخاص والفضاء العام.
الديمقراطية ليست فوضى: درس من تجارب الغرب نفسه
الديمقراطية الغربية الناضجة تعلمنا أن النظام الديمقراطي يقوم على:
حكم الأغلبية مع حماية الأقلية
الحرية المقترنة بالمسؤولية
التوازن بين الحقوق الفردية والمصلحة العامة
“ديمقراطية السراويل” إن جاز التعبير إذا تحولت إلى “ديكتاتورية العري” التي تفرض مشهداً جسدياً على غير الراغبين، تكون قد خرجت عن منطق الديمقراطية ذاتها.
الجمع بين المرجعيات: نحو خطاب شامل
المطلوب ليس التخلي عن المرجعية الإسلامية، بل إثرائها بحجج عقلانية وإنسانية تتحدث بلغات متعددة. يمكننا أن نقول:
باللغة الإسلامية: الله أمرنا بالستر وحفظ العورات.
باللغة العقلانية: الفعل الانفعالي غير المسؤول يضر بالنسيج الاجتماعي.
باللغة القانونية: القوانين تحمي الفضاء العام من الإيذاء.
باللغة الفلسفية: الحرية الحقيقية هي تلك التي تحترم حرية الآخرين.
الخاتمة: خطاب جامع لا مستسلم
الحرية المطلقة وهم كبير، والفوضى ليست تحرراً. والفضاء العام مساحة مشتركة يجب أن تحترم فيها جميع المرجعيات والقيم التي تحفظ كرامة الإنسان، سواء جاءت هذه القيم من الوحي السماوي أو من العقل البشري أو من العقد الاجتماعي.
في النهاية، سواء تحدثنا بلغة القرآن أو بلغة كانط، النتيجة واحدة: الإنسان كائن مكرم، والجسد ليس سلعة عرض، والحرية ليست فوضى. وهذا ما تجمع عليه الحكمة الإنسانية عبر العصور والثقافات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى