اعمدة ورأي

مؤتمر برلين… حين تتحول الأزمات إلى صناعة، ويُعاد تدوير الفشل بقلم: عباس إدريس جعفر

مؤتمر برلين… حين تتحول الأزمات إلى صناعة، ويُعاد تدوير الفشل بقلم: عباس إدريس جعفر

مؤتمر برلين… حين تتحول الأزمات إلى صناعة، ويُعاد تدوير الفشل
بقلم: عباس إدريس جعفر
ليس ما يحدث في السودان اليوم قدراً غامضاً، ولا انهياراً مفاجئاً بلا جذور. ما نشهده هو نتيجة طبيعية لمسار طويل من إعادة إنتاج الأزمة، حيث تتبدل العناوين وتبقى الوجوه، وتُعقد المؤتمرات بينما يظل الواقع أسيراً لنفس العقلية التي أوصلت البلاد إلى حافة الانهيار.
في كل مرة يُطرح فيها حل دولي، يظهر اسم مؤتمر برلين حول السودان كأنه مفتاح الخلاص، لكن الحقيقة المُرّة أن هذه اللقاءات لم تكن سوى منصات لإدارة الأزمة، لا لحلها. يجتمع اللاعبون أنفسهم، بخطابات جديدة، لكن بذات الأجندات، وكأن السودان ساحة لتجريب الوصفات الفاشلة.
نفس الشخوص… نفس الكارثة
المأساة ليست في نقص الحلول، بل في احتكارها.
نفس النخبة السياسية التي فشلت في إدارة المرحلة الانتقالية، تعود لتتحدث باسم الشعب.
نفس القيادات التي أشعلت الصراعات، تقدم نفسها كوسطاء للسلام.
أي منطق هذا؟
كيف يمكن لمن كان جزءاً من الأزمة أن يتحول فجأة إلى صانع للحل؟
هذه ليست سياسة… هذه إعادة تدوير للفشل في أبشع صوره.
السودان ليس حقل تجارب
ما يحدث في المؤتمرات الدولية لا يمكن فصله عن مصالح القوى الكبرى.
السودان، للأسف، لا يُنظر إليه كدولة تبحث عن الاستقرار، بل كملف يجب احتواؤه:
منع الانفجار الكامل
ضبط التوازنات الإقليمية
حماية المصالح الدولية
أما بناء دولة سودانية حقيقية؟
فذلك ليس أولوية.
ولهذا تخرج هذه المؤتمرات ببيانات أنيقة، لكنها فارغة من أي إرادة حقيقية للتغيير.
الأزمة الحقيقية: غياب الإرادة الوطنية
لنكن صريحين:
لا مؤتمر برلين ولا غيره هو أصل الأزمة.
الأصل هو:
غياب مشروع وطني جامع
انهيار الثقة بين مكونات المجتمع
صراع نخبوي مريض على السلطة
حين يغيب الوطن، تحضر المصالح.
وحين تغيب الرؤية، تفرض القوى الخارجية رؤيتها.
الشارع… الغائب الحاضر
المفارقة المؤلمة أن الشعب السوداني، الذي دفع الثمن الأكبر، هو الغائب الأكبر عن هذه المعادلة.
الشباب الذين صنعوا الأمل، تم إقصاؤهم.
القوى الحية في المجتمع، تم تهميشها.
وبدلاً من ذلك، يتم استدعاء نفس الوجوه التي لفظها الشارع، لتقرر مرة أخرى مصير البلاد.
إلى متى؟
إلى متى سيظل السودان يدور في هذه الحلقة المفرغة؟
أزمة… ثم مؤتمر… ثم تسوية هشة… ثم انهيار… ثم أزمة من جديد.
هذه ليست صدفة.
هذا نمط مُمنهج.
كلمة أخيرة
لن يخرج السودان من أزمته عبر نفس الأدوات التي صنعتها.
ولن يُبنى مستقبل جديد بعقول قديمة.
الحل يبدأ حين:
تُكسر دائرة احتكار السلطة
يُفسح المجال لقوى جديدة حقيقية
يُعاد تعريف السياسة كخدمة للوطن، لا كغنيمة
غير ذلك…
سنظل نحضر مؤتمرات جديدة،
ونكتب بيانات جديدة،
ونعيش نفس المأساة… بأسماء مختلفة.
السودان لا يحتاج مؤتمراً جديداً… بل يحتاج ولادة جديدة.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى