عرفه خواجه تكتب.. نقطة:بداية.. “تراث” حين تصنع الأضحيةُ فرقاً بين السماء والجحيم!
عرفه خواجه تكتب.. نقطة:بداية.. "تراث" حين تصنع الأضحيةُ فرقاً بين السماء والجحيم!

عرفه خواجه تكتب.. نقطة:بداية..
“تراث” حين تصنع الأضحيةُ فرقاً بين السماء والجحيم!
في بلاد تتهاوى فيها جدران البيوت، وتتصدع فيها أحلام الملايين، يبقى هناك من يمسك بخيط النور. ومنظمة “تراث” للتنمية البشرية خيرُ دليل.
تحت شعار يفيض معنىً وروحانية، “أضحية أهل السودان في عيد الفداء”، دشنت المنظمة مشروع الأضاحي لعام 1447هـ – 2026م، لتثبت مرة أخرى أن العمل الإنساني الحقيقي لا يُعلن عنه بصخب، بل يُمارس بهدوء الفعل، وجسارة الأثر.
عشرة آلاف أسرة. أربع ولايات. ست مناطق. أرقام قد تبدو جافة في النشرات الصحفية، لكنها في قاموس “تراث” تعني: عشرة آلاف طفلة لن تنام جائعة في ليلة العيد، وأربع ولايات ستشم فيها رائحة اللحم بعد أن طال غيابه عن موائد النازحين، وست مناطق تتحول فيها ساحة العيد من لوحة بؤس إلى كرنفال فرح عابر لكنه كافٍ لأن يبقيهم على قيد الأمل.
لم تذهب المنظمة إلى مناطق آمنة أو سهلة المنال. ذهبت حيث الحرب تُزَمْجِر، وحيث النازحون يكدسون أجسادهم في مدارس مهدمة وحاويات صدئة. ذهبت إلى الخرطوم التي اشتعلت وصارت رماداً، وإلى النيل الأبيض وسنار اللتين استقبلتا أفواجاً بشرية لا طاقة لهما بها، وإلى نهر النيل الذي لم يسلم من تداعيات الانهيار. هناك، في بؤر الألم نفسها، وزعت “تراث” خير ما يمكن توزيعه: كرامة العيد.
والأجمل أن المنظمة لم تنسَ طلاب الخلاوي. هؤلاء الأبناء البررة الذين حفظوا كتاب الله في زمن تكسرت فيه مقاعد الدراسة، جعلت لهم “تراث” نصيباً في الأضحية، وكأنها تقول: لا فرق بين جسد يطعم وروح تتربى؛ فالدين والدنيا في هذا البلد صنوان لا يفترقان.
إن ما تفعله منظمة تراث هو تجسيد حي لمفهوم “التكافل الشعبي” الذي طالما تغنّى به السودانيون، لكن القليل من جسّده على أرض الواقع بهذه الجرأة وهذا الإلحاح. في وقت باتت فيه المنظمات الدولية تتحدث عن “الاستجابة الإنسانية” من مكاتبها المكيفة في جنيف ونيروبي، تتحرك “تراث” على الأرض السودانية الساخنة، تحمل اللحم الساخن إلى أفواه باردة.
نعم، المشروع ليس معجزة. لن يحل أزمة البلاد، ولن يوقف الحرب، ولن يعيد البيوت المهدّمة. لكنه في زمن انعدمت فيه الثقة بين الناس والمؤسسات، يقدّم نموذجاً مشرفاً للمجتمع المدني السوداني الذي لا ينتظر تعليمات، بل يسبق الأحداث بمبادرات تمسّ الواقع المؤلم.
من هنا، نقف إجلالاً لمنظمة “تراث”.. لمن أعطوا من قوتهم وهم محتاجون، ومن راحتهم وهم منهكون، ومن أضاحيهم وهم قد لا يجدون غيرها. نقف إجلالاً لهؤلاء الذين فهموا أن العيد لا يُصنع بالثياب الجديدة، بل بالأيدي الممدودة بالعطاء في عز الأزمات.
إنها “أضحية أهل السودان” بحق. فليصنع السودانيون من أمثال “تراث” قدوة، وليعلم القادرون أن باب العطاء ما زال مفتوحاً، وأن عشرة آلاف أسرة أخرى تنتظر من يمسح دمعتها.
تحية للقائمين على “تراث”، وتحية لأهل السودان حيثما كانوا. وكل عام والجميـع بخير.
ولنا عوده..




