د. ياسر محجوب الحسين… يكتب : تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٢٤)
د. ياسر محجوب الحسين... يكتب : تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٢٤)

د. ياسر محجوب الحسين… يكتب :
تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٢٤)
في «تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية» لا نكتب لنُحصي التجارب، بل لنُنصت لخطاها وهي تترك أثرها على الرمل قبل أن يغمرها المدّ. هنا، في «أمواج ناعمة»، لا تعلو الأصوات بقدر ما يعلو المعنى، ولا تُقاس القامات بطول البقاء في الضوء، بل بعمق الظل الذي تتركه الفكرة حين تمضي.
هذه السلسلة ليست أرشيف أسماء، بل مرايا متقابلة؛ جيل يسلّم جيلا، وكلمة تعبر إلى أخرى، كأن الشاطئ ذاته يروي حكايات من مرّوا به، ثم واصلوا السير وهم يحملون البحر في أصواتهم. نحن لا نلاحق الخبر وهو يركض لاهثا، بل نعود إلى الذين مشوا مع الكلمة على مهل، فصاروا جزءا من نسيجها، وصارت جزءا من مصائرهم.
على هذا الرمل المبلل بأسئلة الوطن، وفي الحلقة (٢٤) تتجاور سيرة الطاهر حسن التوم وهنادي عبد اللطيف؛ مساران يختلفان في الإيقاع، لكنهما يلتقيان عند يقين واحد: أن الصحافة ليست مهنة عابرة، بل موقف. بين شاشة تضيء وجوه السياسة، وصفحة رقمية تتحول إلى غرفة أخبار، بين سؤال يُدار أمام الكاميرا، وتحقيق يُشعل صمت المكاتب المغلقة، تتشكّل حكاية جيلين آمن كل منهما بأن للكلمة شاطئا لا يُرى، لكنه يبقى.
هنا، تميل «أمواج ناعمة» قليلا، لا لتستريح، بل لتقترب. تقترب من سير لم تُكتب بالحبر وحده، بل بالمواجهة، وبالاجتهاد الفردي، وبالإيمان العنيد بأن الحقيقة، مهما ثقل عليها المدّ، تعرف طريقها إلى اليابسة.
الطاهر حسن التوم
لم يكن الطاهر حسن التوم ابن الصدفة في المشهد الإعلامي السوداني، بل كان ابن سؤال طويل تربّى في حضرة الفكر، واشتدّ عوده في مهبّ العواصف السياسية. فمنذ بداياته، لم يكتفِ بأن يكون ناقلا للحدث، بل سعى إلى أن يفهم جذوره، وأن ينفذ إلى ما وراء الكلمات.
في سنوات التكوين، لازم المفكر السوداني الكبير أبو القاسم حاج حمد، أحد أبرز العقول التي اشتغلت على تجديد المنهج في الفكر الإسلامي وإعادة قراءة أسئلة الدولة والهوية والنهضة. كانت تلك الملازمة أشبه بورشة تفكير مفتوحة؛ هناك تعلّم الطاهر أن الفكرة لا تُؤخذ على ظاهرها، وأن كل خطاب يخفي طبقات من المعاني. انعكس ذلك جليا على طريقته في تناول القضايا الإعلامية والسياسية، فغدا أكثر ميلا إلى التحليل المركّب، وأقدر على سبر أغوار الملفات الفكرية الحساسة، مستندا إلى خلفية منهجية صلبة لا إلى انفعال عابر.
وحين تولّى رئاسة تحرير مجلة الخرطوم، لم يتعامل معها كمجلة دورية فحسب، بل كمنصة لصناعة الوعي. كانت المجلة ذات سمعة رفيعة في الوسط الثقافي، ومنبرا للنقاشات العميقة التي تتقاطع فيها السياسة بالفكر، والثقافة بتحولات المجتمع. وبموازاة ذلك، أدار عملية النشر التي تبنتها مؤسسة الخرطوم للنشر، فأسهمت في إصدار كتب ودوريات أثرت الساحة الثقافية والعلمية، ورسّخت حضورا معرفيا تجاوز حدود اللحظة.
ثم جاءت الشاشة، لتكشف وجهًا آخر من حضوره. يُعدّ الطاهر من أبرز مقدمي البرامج الحوارية في السودان، وقد لمع اسمه لسنوات عبر قناة النيل الأزرق، حيث رسّخ مكانته كمحاور قادر على إدارة النقاشات الساخنة بقدر عال من الثقة والحضور. لم يكن حضورا عابرا، بل كان جزءا من ذاكرة المشاهد السوداني، في مرحلة كانت فيها البرامج الحوارية تصنع الرأي العام وتعيد تشكيله.
لاحقًا، في قناة سودانية 24، شغل منصب المدير العام، وقدم عبر شاشتها برنامجه الشهير “حال البلد”، الذي تحوّل إلى ساحة مواجهة مفتوحة مع الأسئلة الساخنة. هناك استضاف شخصيات نافذة في الدولة والمشهد العام، من بينهم حميدتي، وفتح ملفات ظلت لسنوات مؤجلة أو مطوّقة بالصمت. كان يحاور بهدوء محسوب، لكن بأسئلة حادة، وكأنّه يمشي على خيط رفيع بين المهنية والاشتباك.
وعلى الرغم من هذه الصرامة الفكرية والحضور الجاد أمام الكاميرا، فإن للطاهر وجها آخر لا يراه إلا من خالطه عن قرب. فهو صاحب طرفةٍ حاضرة، وذاكرةٍ عامرة بالحكايات الطريفة، التي تزدان بها المجالس وتخفّف وطأة السياسة وثقل الأسئلة. يحكي بذكاء، ويضحك دون افتعال، وكأنّه يذكّر من حوله بأن الإعلامي، مهما أثقلته الملفات، يظل إنسانا يعرف كيف يلتقط لحظة خفّة وسط العاصفة.
ومع تحولات الإعلام وتبدّل منصاته، أسس منصة النيلين الإخبارية، مواصلا رهانه على الإعلام كمساحة تحليل لا مجرد نقل. ويقدّم حاليًا برنامج “مقرن النيلين”، الذي يركّز على قراءة الأوضاع الراهنة في السودان، محاولا تفكيك تعقيدات الحرب وتشابكات السياسة بلغة تجمع بين الخلفية الفكرية والخبرة الميدانية.
كما ينشط عبر صفحته الرسمية على فيسبوك، حيث ينشر تحليلات دورية وتسجيلات صوتية حول تطورات الحرب في السودان. هناك، بعيدًا عن الاستديوهات، يبدو أكثر تحررًا، كأنما عاد إلى جوهر الحكاية: صوت يحاول أن يفهم، وأن يُفهم.
هكذا يتشكل مشهد الطاهر حسن التوم: إعلامي صاغته صحبة الفكر، وصقلته التجارب المؤسسية، وأبقته التحولات الرقمية في قلب النقاش العام. بين المجلة والكتاب، بين الاستديو والمنصة الرقمية، ظل خيطه الناظم واحدا: الإيمان بأن الإعلام، حين يتكئ على عمق معرفي، يمكن أن يكون أداة مساءلة، لا مجرد مرآة تعكس ما يُراد لها أن تعكسه.
هنادي عبد اللطيف
كانت بدايتها هادئة، كخطوة أولى في ممر طويل لا يُفصح عن نهاياته. فترة تدريب عابرة في عدد من الصحف، بدت كأنها اختبار صبر أكثر من كونها بوابة عبور. لكن هنادي عبد اللطيف لم تكن من أولئك الذين يمرّون مرور الظل؛ كانت تكتب وكأنها تُزيح ستارا، وتبحث في العتمة عمّا يُخيف الصمت.
دخلت صحيفة الانتباهة متعاونة، وظنّ البعض أن الأمر لن يتجاوز حدود التجربة المؤقتة. غير أن أقل من عام كان كافيا لتقلب المعادلة. تحقيق صحفي واحد، لكنه كان كافيا ليُحدث دوّيا واسعا: ملف شائك عن التنصير، واختطاف طالبة جامعية، وتهريبها خارج الحدود إلى إثيوبيا. لم يكن نصا عابرا في صحيفة، بل حجرا أُلقي في مياه راكدة، فارتفعت الأمواج.
توسّع الصدى، وكتب عنه الراحل الطيب مصطفى مشيدا، وتناقلته الأقلام، حتى وصلت أصداؤه إلى مكاتب الأمن الوطني، حيث جرى استدعاؤها لمزيد من المعلومات. عندها لم تعد مجرد متعاونة، بل صحفية بعقد ثابت، واسم بدأ يُحسب له حساب.
من هناك، اتجهت إلى التقارير السياسية، دون أن تتخلى عن شغفها بالتحقيقات. كانت تعود دوما إلى المساحات التي يخشاها الآخرون. فجّرت واحدة من أكثر القضايا إيلاما: ملف الخادمات السودانيات – وهو أمر غير لا تسمح به الدولة – في إحدى دول الخليج. سردت قصصا تقطر وجعا، وفضحت تفاصيل صادمة. مرة أخرى، اشتعلت الضجة، وبلغت حدّ استدعاء رئيس التحرير إلى القصر الجمهوري، وفرض حظر على تناول القضية وربطها بدول الخليج. كان الثمن باهظا، لكن الحقيقة – في قاموسها – لا تُقاس بالكلفة.
في عام 2017، اتخذت قرارا بدا جريئا في حينه: غادرت الصحافة الورقية، واتجهت إلى الفضاء الرقمي. جعلت من صفحتها منصة، ومن هاتفها غرفة أخبار، ومن صوتها جريدة مفتوحة. هناك فجّرت ملفات جديدة، أبرزها قضية شركة “بلاك شيلد” الشهيرة، التي خدعت وجنّدت نحو ستمائة شاب سوداني. تحوّلت صفحتها إلى مصدر رئيسي للمعلومة، وقدّمت إفادات لمنصات عالمية وأجنبية وعربية، ولاحقت القضية خطوة بخطوة حتى عاد أولئك الشباب إلى أرض الوطن.
عند تلك النقطة، ترسّخت قناعتها: الصحفي لا يحتاج إلى مبنى ولا لافتة ولا مؤسسة كي يمارس مهنته. يكفيه ضمير يقظ، وأداة صادقة. منذ ذلك الحين، أصبحت صفحتها على فيسبوك صحيفة كاملة: أخبار، مقالات، تقارير، وصوتٌ لا يهدأ.
هكذا ابتعدت عن الصحافة التقليدية، واختارت الصحافة الرقمية، المعتمدة على الصورة والصوت، محاولة – باجتهاد فردي – أن تصل إلى أوسع مدى من جمهور الميديا. التحدي الأكبر كان قاسيا: تعمل، وتكتب، وتغطي، بلا أي عائد مادي، لأنها لا تنتمي إلى مؤسسة إعلامية. كل ما تقدمه هو جهد شخصي خالص. ومع ذلك، كانت السعادة تزورها حين ترى أثر ما تكتب، وحين تشعر أن قلمها أحدث فرقا، ولو صغيرا، في واقع عنيد.
ولم تقف عند حدود الصحافة. انخرطت في العمل الإنساني والخيري، تنشر نداءات الحاجة، وتسلّط الضوء على الحالات الإنسانية العاجلة. وبمرور الوقت، أصبحت مصدر ثقة لكثير من أهل الخير، وتحولت صفحتها إلى صوت إغاثة، ونافذة أمل لكثيرين لا يملكون سوى الانتظار.
هكذا تمضي هنادي عبد اللطيف: تمشي على الحافة بين الكلمة والفعل، بين الصحافة والإنسان، حاملةً قناعتها البسيطة والعميقة في آن واحد: أن للكلمة، حين تُقال بصدق، قدرة على أن تُنقذ، وتُربك، وتُغيّر.
نواصل باذن تعالى،،،،




