تقارير

القولد والجهد الشعبي.. ملحمة تنموية تغالب التهميش* تقرير : رمضان محجوب

القولد والجهد الشعبي.. ملحمة تنموية تغالب التهميش* تقرير : رمضان محجوب

​ *القولد والجهد الشعبي.. ملحمة تنموية تغالب التهميش*

تقرير : رمضان محجوب

​تختزل محلية القولد بالولاية الشمالية تفاصيل الحكاية السودانية الضاربة في جذور العطاء والتكاتف المجتمعي، إذ لم تقعدها عقود من ضعف الاستثمار الحكومي والتهميش الخدمي عن تشييد بنيتها التحتية بسواعد أبنائها. وحين تتجول في طرقاتها وشرايينها الممتدة، تتنسم على الفور اريج الأصالة الراسخة في هذا الوجدان الذي تشكل من فيض الكرم والتلاحم التاريخي. ذإنها الأرض التي تجسد المعنى الحقيقي للاعتزاز بالذات والاعتماد على النفس، حيث تحول الإحباط إلى مشروعات عمران شاخصة، وتداعى الأهالي لرصف طريق المستقبل بأموالهم وجهدهم. القولد ليست مجرد مجتمعات قروية تبتغي الخدمات الأساسية، بل هي أيقونة التعاضد الوطنية التي أطردت عتمة العطش والجهل بوعي أهلها وشهمتهم التي لا تنضب.
​▪️ واقع مظلوم
اظهرت جولتنا الميدانية للمشهد التنموي في محلية القولد حقيقة جليّة مفادها أن المحلية ظلت تعاني تاريخياً من نقص الحصص التنموية الرسمية مقارنة بوزنها السكاني والإقليمي. غير أن هذا الواقع لم يتحول إلى حالة من الاتكالية، بل اندفعت المجتمعات المحلية لسد الفراغ الحكومي عبر آليات تكافلية متطورة، أدارت العملية الخدمية بكفاءة واقتدار مجتمعي لافتين.
​▪️ الاعتماد الذاتي
كل من تحدث لنا في القولد اكد أن الجهد الشعبي بات المحرك الأساسي لأكثر من ثمانين بالمئة من مشروعات التنمية والخدمات داخل محلية القولد. هذا الاعتماد شبه الكلي يعكس نضج المبادرات الأهلية، حيث تتكفل الاشتراكات الأسرية ودعم المغتربين بتشييد المرافق ومتابعة تشغيلها وصيانتها بصورة دنيوية منتظمة تضمن استدامتها.
​▪️ استقرار مائي
أبرز ثمار هذه التجربة تجلت لنا في قطاع المياه، حيث تمكنت المحلية من تحقيق استقرار تام وتجاوز عقبات العطش بشكل كامل، مستندة إلى خمس عشرة محطة مياه أنشئت وتمويلها بالكامل عبر الجهد الشعبي الخالص. هذا النجاح الاستثنائي جعل المحلية ترفع شعار “زيرو عطش”، متقدمة بذلك على العديد من المراكز الحضرية بالولاية.
​▪️ شمول خدمي
ولم ينحصر العطاء الشعبي في السقيا فحسب، بل امتد ليتكفل بإنشاء ودعم المؤسسات الصحية والتعليمية والصروح الرياضية. ويقف استاد القولد، الذي بلغت نسبة تشييده مراحل متقدمة بأموال الأهالي، شاهداً على اتساع الرؤية المجتمعية لتشمل الأنشطة الرياضية والشبابية بجانب الأساسيات التنموية، في نموذج فريد لبناء الإنسان والمكان.

​▪️ استقرار أمني
وفي السياق ، أكد كل من المدير التنفيذي ومدير شرطة المحلية خلال المؤتمر الصحفي، أن محلية القولد تعيش حالة من الاستقرار الأمني ، مشيدين بالوعي العالي لمواطني المنطقة. وأوضحا أن هذا الأمان المشهود يعود في المقام الأول إلى التلاحم المجتمعي الوثيق وانخراط أبناء المحلية الفاعل في ارتكازات التأمين والحماية، مما جعل من الشراكة الأهلية والأمنية سياجاً منيعاً يحفظ للمنطقة سكينتها ودوران عجلة الحياة فيها.
​▪️ توجه حكومي
وفي المقابل، يسجل الواقع الميداني تحولاً نسبياً في التعاطي الرسمي مع هذا الحراك؛ إذ أشاد المدير التنفيذي للمحلية، عبد المجيد دهب عبد المجيد، خلال جولته التفقدية برفقة الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة والإعلام، بمدى التضافر الشعبي. وترافق ذلك مع شواهد على بدء اهتمام حكومي بدعم هذا الجهد وتوجيه بعض الموارد لترقية الخدمات بالمحلية.
​▪️ أبعاد ثقافية
من جانبه، يسعى المجلس الأعلى للثقافة والإعلام بالولاية، برئاسة زهير الطيب بانقا، إلى إعطاء هذه الطوافات الميدانية بعداً تنموياً وفكرياً، عبر ترسيخ شعار “الثقافة تقود المجتمع والإنتاج”. ويهدف هذا التوجه الإداري إلى استثمار الرصيد المجتمعي الثقافي وتحويله إلى وقود يغذّي المحركات الإنتاجية، مع ربط المؤسسات التنفيذية بالحاجات الحقيقية للمواطنين.
​▪️ صرح مرتقب
وفي إطار هذا الربط بين الثقافة والتنمية، تتجه الأنظار نحو العام القادم لاكتمال وافتتاح “مسرح الفاضل سعيد” بالقولد، وهو المشروع الذي يُراهن عليه الوزير زهير الطيب ليكون منارة تشع بالإبداع والوعي والفنون، ليس للمحلية أو الولاية الشمالية فحسب، بل ليشكل مركز إشعاع قومي يخدم الخارطة الثقافية في كافة ربوع الوطن.


​▪️ رصد ميداني
كشفت الحصيلة الميدانية للجولة التفقدية لشمل سبعة مواقع خدمية وتنموية بالمحلية، عن واقع تنموي واعد يبشر بالخير؛ إذ تبين أن خمسة من هذه المواقع تقع حالياً تحت التشييد والإنشاء. وتُؤكد هذه الأرقام الاستثنائية دخول القولد مرحلة نهضة شاملة ستتوج بافتتاح تلك المنشآت بجهود شعبية مع إهلال العام المقبل.
​▪️ رمزية تاريخية
عموماً ، تؤكد المعطيات الميدانية أن محلية القولد تستحق دعماً حكومياً يستوعب حجم تضحياتها، نظرًا لمكانتها التاريخية الحاضرة في الوجدان السوداني. فهي الإقليم الممتد في الذاكرة القومية بعطائه ورموزه التاريخية كالشخصية الوطنية “الصديق عبد الرحيم” الذي اقتسم معه أهل السودان قاطبة “الكابيدة”، مما يجعل الاستثمار في نهضتها واجباً وطنياً وأخلاقياً يجاوز سقف الالتزامات الروتينية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى