اعمدة ورأي

الصادق إسماعيل علي يكتب.. نكزة : المظلة التي لا تقي من المطر … مظلة ضرائب الحكومة

الصادق إسماعيل علي يكتب.. نكزة : المظلة التي لا تقي من المطر ... مظلة ضرائب الحكومة

الصادق إسماعيل علي يكتب..

نكزة : المظلة التي لا تقي من المطر … مظلة ضرائب الحكومة .

* يبدو أن حكومتنا اكتشفت أخيراً العلاج السحري للاقتصاد السوداني: الضرائب!
لا إنتاج، لا خدمات، لا عملة مستقرة، لا تحويلات بنكية مستقرة، لا كهرباء ولا ماء ولا تعليم ولا صحة… ولكن الحمد لله، المظلة الضريبية بخير وعافية، وتتوسع يومياً حتى تكاد تغطي آخر مواطن سوداني عاطل مفلس نازح ولاجئ !
* وحتى لا نظلم أحداً، فإن ما يحدث الآن في بلادنا اقتصادياً ليس مجرد تعثر عابر يمكن أن نضعه في خانة «ظروف الحرب» ونمضي، وإنما أمر صادم ومؤلم وغير مبرر، ولا ينبغي أن يمر بالصمت.
الإنتاج يكاد يكون متوقفاً في محاوره المختلفة، وقيمة العملة تنهار بالساعة لا باليوم، والتحويلات البنكية الإلكترونية تعاني من صعوبات حقيقية، والخدمات الأساسية شحيحة أو غائبة، خصوصاً الكهرباء والمياه والتعليم العام والعالي والخدمات الصحية العلاجية والوقائية… والخرطوم العاصمة نموذجاً صارخاً لذلك.
* الحرب شماعة… والاقتصاد هو المعلّق عليها!
الغريب أن الحرب، التي يفترض أن تكون دافعاً للتخطيط الاقتصادي الأكثر صرامة، أصبحت عند بعض المسؤولين شماعة جاهزة لتعليق كل فشل.
الحرب لا تعني أن تتوقف الدولة عن التفكير، بل تعني أن تفكر أكثر.
ولا تعني أن تتخلى عن مواردها، بل أن تحسن السيطرة عليها وإدارتها.
كان يفترض أن تدفعنا الحرب إلى السيطرة على موارد البلاد غير المحدودة فوق الأرض وتحتها وفي أجوائها، وزيادة الإنتاج وتجويده، وفتح منافذ الصادر، واستعادة قيمة العملة، وتقوية الاقتصاد وتمتينه ليكون سنداً لمعركة الكرامة.
لكن يبدو أن بعض عباقرة الاقتصاد عندنا اختصروا المعركة الاقتصادية كلها في الهوامش: جبايات هنا، رسم هناك، مخالفة في الطريق، ومظلة ضريبية تبحث عن رأس مواطن لم يجد حتى سقفاً يحميه من المطر ومصائب الحكومة !
* الحكومة المصرية تنتج… والسودان يدفع الضرائب!
ومن طرائف هذا الزمن السوداني العجيب أنني قرأت هذا الصباح في الأخبار الاقتصادية ــ إن صحت الأخبار ــ أن الحكومة المصرية توقع عقوداً مع الحكومة الصينية لتصدير الذهب والصمغ العربي والتبلدي والكركديه والفول السوداني واللحوم والجلود.
وهنا، اسمحوا لي بسؤال بريء جداً:
من أين للحكومة المصرية بكل هذه الأشياء؟ هل دخلت فجأة مجال الزراعة والرعي والتعدين السوداني؟!
أم أن السودان، الذي يملك الأرض والذهب والصمغ والماشية والمحاصيل، قرر أن يكتفي بدور المتفرج، ثم يصفق للدول الأخرى وهي تصدر موارده؟ وكيف حصلت عليه ؟
* وفي المقابل وفي اليوم السابق مباشرة، وفي سوق صابرين بكرري ــ كأنما يريد الواقع نفسه أن يكتب لنا نكزة ساخرة ومفارقة مبكية ــ عربة مسرح متجول تتبع لحكومة السودان تقنع الناس بضرورة توسيع المظلة الضريبية! يا لها من فكرة عبقرية ، ويا للعظمة!
عجبا عجبا : ربما يريدون أن تشمل المظلة الضريبية الجديدة ست الشاي، وبائع الفول المدمس، وبائع التسالي، وبائعة الطعام البلدي الجالسة على الأرض.
تلك التي قتل الدعم السريع زوجها، وترك لها زغب صغار، فعجزت الحكومة عن توفير مدرسة حكومية لهم، فتركتهم للتعليم الخاص بالمليارات.
وعجزت عن توفير مركز صحي حكومي لهم، فتركتهم للمستوصفات الخاصة.
ثم جاءت الحكومة ــ بكل حنانها الاقتصادي ــ لتقول لها:
«وسعنا المظلة الضريبية لتشملك !»
وربما تشمل المظلة أيضاً ذلك الرجل الستيني أو الطفل الذي لم يتجاوز العاشرة، وهما يدفعان أمامهما «درداقة» هزيلة، يفران بها من عمال المحلية كما يفر الصحيح من الأجرب.
وربما تشمل الستيني صاحب الكارو.
وربما تشمل من يبيع شيئاً بسيطاً على الرصيف كي يشتري خبز يومه الذي أصبح بفشل الحكومة إثنان منهما بألف جنيه . يا لسخرية الأقدار هل تذكرون عندما أصبح رغيفتان بجنيه . وليس بالف جنيه ؟؟!!
* وربما ــ وهذه أمنيتي ــ تشمل المظلة يوماً الحكومة نفسها!
فقد آن لها أن تدفع ضريبة هذا العجز الذي يدفعه المواطن كل يوم من جيبه وأعصابه وأمنه ومستقبل أبنائه.
في الأزمات يظهر الرجال
الأمم في أزماتها لا تبحث عن كثرة المسؤولين، وإنما عن القوي الأمين.
القوي بعلمه ومعرفته وخبرته وقدرته على اتخاذ القرار.
والأمين في مؤهلاته وأخلاقه وولائه لبلده وشعبه، الرحيم بهم، الحارس لمقدراتهم الخاصة والعامة، الذي يعرف أن موارد الدولة ليست غنيمة، وأن المواطن ليس ماكينة جباية متحركة.
فالأزمة لا تصنع الرجال، وإنما تكشفهم.
والحرب لا تعفي المسؤول من الحساب، بل تجعل الحساب أشد؛ لأن الخطأ في زمن الرخاء قد يضيع مالاً، أما الخطأ في زمن الحرب فقد يضيع وطناً.
* أما هؤلاء الذين نراهم اليوم في حكومة «اللاأمل»، فبدلاً من أن يديروا الاقتصاد والموارد المتاحة رغم الحرب لصالح الأمن والاستقرار والإنتاج، ويخففوا وطأة الحرب على المواطنين، ويهيئوا الظروف لعودة النازحين واللاجئين من الملاجئ والمنافي للمشاركة في معركة الكرامة والإنتاج والتنمية…
كل يوم يقدمون لنا كارثة جديدة تؤجل عودة هؤلاء الناس ، وتؤخر التعافي الوطني .
مرة بالأوبئة.
ومرة بانعدام الخدمات.
ومرة بالجبايات.
ومرة بالانفلاتات الأمنية.
ومرة بقرار لا نعرف من أين جاء ولا إلى أين يذهب.
ومرة بمصيبة جديدة تحتاج إلى لجنة، ثم لجنة للتحقيق في اللجنة، ثم لجنة لمعرفة لماذا لم تعمل اللجنة الأولى!
بدلاً من أن يحرسوا موارد البلاد الحقيقية ويوجهوها التوجيه الصحيح، يحرسون جبايات لا تسمن ولا تغني من جوع من معدم، ويدخلون المواطن في متاهة من الرسوم والضرائب حتى أصبح السؤال ليس: «ماذا تنتج؟» وإنما:
«كم بقي معك حتى نأخذه ؟»
* سيدي البرهان… الخطر ليس كله في الخارج
سيدي البرهان،
لن تهزم هذه البلاد ــ بإذن الله ــ المؤامرات الاستعمارية وعملاءها في الداخل، ولن تهزمها «قحت» التعيسة ولا المليشيا المتمردة وحدها.
لقد اختبر هؤلاء صلابة هذا الشعب وقواته المسلحة، وعرفوا أن السودان ليس لقمة سائغة.
لكنني أخشى أن يكون الخطر الذي لا نراه جيداً هو ذلك الذي يأكل البلاد من الداخل:
التجويع، والعجز، والاستفزاز، وسوء الإدارة، وانهيار الخدمات، وغياب التخطيط، والجبايات التي تلاحق المواطن حيثما ذهب.
فالعدو قد يطلق النار على جسد الوطن من الخارج، لكن سوء الإدارة يستطيع أن يطلق النار على معنوياته من الداخل.
والجندي الذي يحارب في الميدان يحتاج إلى اقتصاد يسنده، والمواطن الذي صمد في الحرب يحتاج إلى دولة تحميه، والنازح الذي يريد العودة يحتاج إلى خدمات يجدها، والمنتج الذي يريد أن ينتج يحتاج إلى دولة تفتح له الطريق لا إلى يد تمتد إلى جيبه.
* سيدي الرئيس… قبل الغد
لذلك أقولها لك، سيدي البرهان، بلا مواربة:
اليوم قبل الغد، أَقِل هؤلاء جميعاً وحاسبهم ؛ الحكومة وحكام الولايات، ومن ثبت عجزه وفشله، وقدّم للناس والبلاد القوي الأمين.
نريد رجالاً يعرفون كيف يديرون الموارد، وكيف يشغلون عجلة الإنتاج، وكيف يحمون العملة، وكيف يعيدون الخدمات، وكيف يفتحون أبواب العودة، وكيف يجعلون المواطن شريكاً في بناء وطنه لا هدفاً يومياً للجباية.
فالشعب الذي تحمل الحرب كل هذه السنوات ليس عاجزاً عن تحمل المزيد من الصعاب، ولكنه قد يعجز عن فهم لماذا يُطلب منه أن يتحمل صعاب الحرب وصعاب سوء الإدارة معاً!
يا سيدي البرهان:
لا تجعلوا المواطن يخوض معركتين؛ واحدة ضد العدو، وأخرى ضد الحكومة.
فالذي يخرج من الحرب جائعاً، ومقهوراً، ومفلساً، ومطاردًا بالجبايات، فاقداً للخدمات والأمل، قد لا يبقى لديه ما يخسره.
وعندها لن يكون السؤال:
من انتصر في الحرب؟
بل سيكون السؤال:
من الذي خسر المواطن؟
وإذا جاع الشعب، فلا أحد يضمن إلى أين يمكن أن يصل غضبه.
فأقيلوا العاجزين قبل أن يصبح عجزهم أزمة، وأصلحوا الاقتصاد قبل أن يصبح الجوع ثورة، وأعيدوا للمواطن ثقته في الدولة قبل أن يفقد ثقته في كل شيء.
اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد.

دمتم … سآلمين … آمنين … لآمين …. تآمين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى