مقالات

إدارة الخلاف داخل هياكل منظمات العمل التطوعي والإنساني “من صراع الأشخاص إلى قوة المؤسسة” بقلم: د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني

إدارة الخلاف داخل هياكل منظمات العمل التطوعي والإنساني "من صراع الأشخاص إلى قوة المؤسسة" بقلم: د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني

إدارة الخلاف داخل هياكل منظمات العمل التطوعي والإنساني

“من صراع الأشخاص إلى قوة المؤسسة”

بقلم:

د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد
باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني

في منظمات العمل التطوعي والإنساني لا ينبغي أن ننظر إلى الخلاف باعتباره عيبًا في حد ذاته ولا إلى اختلاف وجهات النظر باعتباره تهديدًا يجب إسكاته. فالخلاف في جوهره جزء طبيعي من العمل المؤسسي وقد يكون أحيانًا مصدرًا للتطوير والتصحيح وتحسين القرارات.

لكن المشكلة لا تبدأ عندما يختلف الناس وإنما عندما تفشل المؤسسة في إدارة اختلافهم.

وهنا تكمن إحدى القضايا المهمة التي تحتاج إلى مزيد من النقاش داخل منظمات العمل التطوعي والإنساني: قد تمتلك المنظمة نظامًا أساسيًا ولوائح داخلية وهيكلًا إداريًا ومجلس إدارة وإدارة تنفيذية ولجانًا متخصصة وآليات رقابة؛ لكنها تظل عاجزة عن إدارة الخلاف عندما يتحول من اختلاف في الرأي إلى صراع على النفوذ أو مناقشة مهنية إلى خصومة شخصية أو تباين في وجهات النظر إلى اصطفافات داخلية تهدد وحدة المؤسسة.

والأخطر من ذلك أن بعض المؤسسات تتعامل مع الخلاف بمنطق: «لا تفتحوا الموضوع حتى لا تكبر المشكلة»، بينما الحقيقة أن المشكلة التي لا تُدار لا تختفي؛ وإنما تنتقل من قاعة الاجتماعات إلى الممرات ومن الممرات إلى مجموعات التواصل ومن مجموعات التواصل إلى الشائعات حتى تصبح أزمة مؤسسية يصعب احتواؤها.

وفي منظمات العمل التطوعي والإنساني تحديدًا لا يتوقف أثر هذه الأزمة عند حدود العاملين؛ لأن وراء كل قرار مؤسسةً ومستفيدين ومانحين وشركاء وثقةً عامةً ومواردَ مخصصة لتحقيق أثر إنساني وتنموي.

ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: كيف نمنع الخلاف؟
وإنما: كيف ندير الخلاف بطريقة تحمي المؤسسة ورسالتها ومواردها وحقوق مستفيديها؟

الخلاف ليس المشكلة… غياب المؤسسة هو المشكلة

☆ من الخطأ أن نحاول بناء مؤسسات بلا خلاف.

المؤسسة الحقيقية ليست التي يتفق جميع أفرادها دائمًا وإنما التي تستطيع أن تختلف دون أن تنكسر وتناقش دون أن تتشخصن وتتخذ قرارًا دون أن تتحول الأقلية إلى خصم ولا الأغلبية إلى سلطة مطلقة.

فالاختلاف في الرؤية وفي الأولويات وفي أساليب التنفيذ وحتى في تفسير بعض الإجراءات أمر متوقع داخل أي مؤسسة تنمو وتتوسع وتتعدد فيها الخبرات والمسؤوليات.

لكن عندما يصبح الشخص أهم من المؤسسة والرأي أهم من النظام والعلاقة الشخصية أقوى من اللائحة تبدأ المؤسسة في فقدان مناعتها الداخلية.

وهنا لا يعود الخلاف خلافًا إداريًا بل يتحول إلى أزمة حوكمة.

☆ الخلاف قد يكون دليلًا على صحة المؤسسة

قد يبدو هذا الطرح متناقضًا لكنه في الحقيقة جوهري.

فالمؤسسة التي لا يوجد فيها أي اختلاف قد لا تكون بالضرورة مؤسسة متماسكة؛ فقد تكون مؤسسة يسودها الخوف أو احتكار القرار أو ضعف المشاركة أو اعتقاد الموظفين والأعضاء بأن إبداء الرأي المختلف سيكلفهم مواقعهم أو علاقاتهم.

ولهذا يجب أن نفرق بين غياب الخلاف وغياب القدرة على التعبير عن الخلاف.

فحين يستطيع الموظف أن يقول: «لا أوافق» ويستطيع عضو مجلس الإدارة أن يعترض على قرار ويستطيع المتطوع أن يلفت النظر إلى خلل دون أن يتعرض للتهميش أو الانتقام فإن المؤسسة تكون أقرب إلى الصحة المؤسسية.

أما حين تصبح الاجتماعات مكانًا للموافقة فقط فإن المؤسسة قد تبدو هادئة من الخارج بينما تتراكم المشكلات في الداخل.

الاختلاف المهني الذي يظهر على الطاولة أفضل بكثير من الخلاف المكبوت الذي ينفجر خارجها.

☆ من «من المخطئ؟» إلى «ما الذي يحمي المؤسسة؟»

من أكثر الأخطاء شيوعًا في إدارة الخلاف البحث المباشر عن مذنب.

قد يكون السؤال الصحيح في بعض الحالات: من أخطأ؟

لكن السؤال المؤسسي الأهم هو:

ما الذي سمح بحدوث الخطأ؟ وما الآلية التي كان ينبغي أن تمنعه أو تحد من آثاره؟

هذا التحول في طريقة التفكير مهم للغاية.

فإذا اختلف مدير مع موظف لا ينبغي أن تبدأ المعالجة تلقائيًا بتأييد المدير لأنه صاحب منصب ولا بتأييد الموظف لأنه الطرف الأضعف. المعيار يجب أن يكون الوقائع والأدلة والصلاحيات واللوائح والمصلحة المؤسسية.

وفي العمل التطوعي والإنساني تحديدًا ينبغي أن تكون العدالة أكثر صرامة؛ لأن المؤسسات التي تحمل رسالة إنسانية لا تستطيع أن تطلب من المجتمع احترام قيمها بينما تمارس داخلها المحاباة أو الإقصاء أو الانتقائية في تطبيق اللوائح.

☆ التمييز بين الخلاف المؤسسي والخلاف الشخصي

من أخطر التحولات التي تحدث داخل المنظمات أن يبدأ الخلاف حول قضية ثم يتحول إلى خلاف حول شخص.

قد يختلف اثنان حول مشروع أو ميزانية أو أولوية أو آلية تنفيذ وهذا أمر طبيعي.

لكن عندما يتحول النقاش من:

«هل هذا القرار صحيح؟»

إلى:

«هذا الشخص دائمًا يخطئ».

فقد انتقلنا من الاختلاف المؤسسي إلى الشخصنة.

والشخصنة تفسد النقاش؛ لأنها تجعل الإنسان يدافع عن نفسه بدل أن يدافع عن فكرته وتجعل الطرف الآخر يحاول إثبات خطأ الشخص بدل مناقشة القرار.

ولهذا فإن القاعدة الذهبية هي:

ناقش الفكرة وقيّم القرار وراجع الإجراء لكن لا تحول الاختلاف إلى محاكمة لشخصية صاحبه.

☆ أخطر الخلافات هي التي ترتدي ثوب «المصلحة العامة»

ليست كل الخلافات المعلنة شخصية كما أن ليست كل الخلافات المعلنة مؤسسية.

أحيانًا يستخدم أحد الأطراف عبارات مثل «مصلحة المنظمة» أو «الحفاظ على وحدة الصف» أو «حماية سمعة المؤسسة» بينما يكون الدافع الحقيقي هو حماية موقع أو نفوذ أو علاقة شخصية.

وهنا يجب أن نكون صريحين:

المصلحة العامة لا تُثبت برفع الشعارات وإنما بالالتزام بالقواعد والمعايير والشفافية.

كما أن الدفاع عن المؤسسة لا يعني الدفاع عن الأشخاص الموجودين في مواقع القيادة.

فالمنظمة ليست رئيس مجلس الإدارة وليست المدير العام وليست الموظف القديم وليست المجموعة الأكثر نفوذًا وليست الشخص الذي يملك أكبر شبكة من العلاقات.

المنظمة كيان مؤسسي مستقل عن الأشخاص والأشخاص يأتون ويغادرون بينما يجب أن تبقى المؤسسة.

☆ الشللية والتحيز… الوقود الصامت للخلاف

من الصعب إدارة الخلاف في بيئة أصبحت فيها العلاقات الشخصية أقوى من المعايير المؤسسية.

فالشللية لا تبدأ دائمًا بصورة واضحة؛ قد تبدأ بمجموعة أصدقاء أو زملاء قدامى أو أصحاب مواقف مشتركة ثم تتحول تدريجيًا إلى دوائر مغلقة من الثقة والتأثير.

وعندما يحدث الخلاف لا يعود الناس ينظرون إلى القضية وحدها بل إلى «من مع من؟».

وهنا يصبح الانتماء إلى المجموعة أقوى من الانتماء إلى المؤسسة.

وهذا خطر بالغ؛ لأن المنظمة الإنسانية تحتاج إلى الثقة المهنية لا إلى الولاءات الشخصية.

والحل ليس محاربة العلاقات الإنسانية داخل المؤسسة فهذا غير ممكن ولا مطلوب وإنما منع العلاقات الشخصية من أن تصبح معيارًا للتوظيف أو الترقية أو توزيع الفرص أو اتخاذ القرار أو تطبيق اللوائح.

☆ عندما تتحول الهياكل إلى ساحات نفوذ

من أخطر مظاهر الخلاف داخل المنظمات أن تتحول الهياكل نفسها إلى أدوات للصراع:

مجلس الإدارة في مواجهة الإدارة التنفيذية
والإدارة التنفيذية في مواجهة الموظفين
واللجان في مواجهة بعضها
والفروع في مواجهة المركز
والقديم في مواجهة الجديد.

وفي مثل هذه الحالات لا يعود السؤال:

ما القرار الأفضل للمنظمة؟

بل يصبح:

من سينتصر؟

وهذه نقطة خطيرة جدًا.

لأن المؤسسة عندما تتحول إلى ساحة انتصار وخسارة بين الأشخاص فإن الطرفين قد يخرجان من المعركة بينما تكون المنظمة هي الخاسر الحقيقي.

مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية… حدود لا ينبغي تجاوزها

من أكثر مصادر الخلاف شيوعًا في المنظمات عدم وضوح العلاقة بين الحوكمة والإدارة التنفيذية.

مجلس الإدارة مسؤول عن التوجيه والرقابة والسياسات العامة بينما تتولى الإدارة التنفيذية إدارة العمل اليومي وتنفيذ الخطط والبرامج وفق الصلاحيات المعتمدة.

وعندما يتدخل مجلس الإدارة في التفاصيل التنفيذية أو تتجاوز الإدارة التنفيذية صلاحياتها أو تبدأ اللجان في إصدار توجيهات خارج نطاق تفويضها تنشأ مناطق رمادية تصبح بيئة خصبة للخلاف.

ولهذا فإن وضوح الصلاحيات ليس إجراءً إداريًا شكليًا وإنما أداة للوقاية من النزاعات.

فالعديد من الخلافات التي تبدو شخصية في ظاهرها قد يكون أصلها الحقيقي غموضًا في الاختصاصات.

☆ الحوكمة ليست لوائح محفوظة في الأدراج

كثير من المنظمات تمتلك لوائح جيدة لكن المشكلة أن اللائحة وحدها لا تصنع الحوكمة.

الحوكمة الحقيقية تظهر عندما يقع الخلاف.

فإذا كان النظام يطبق على شخص ولا يطبق على آخر فقد انهارت الحوكمة.

وإذا كانت الصلاحيات واضحة على الورق وغامضة في الممارسة فهناك مشكلة حوكمة.

وإذا أصبح صاحب المنصب بمنأى عن المساءلة بينما يُحاسب الموظف على المخالفة نفسها فإن المؤسسة تكون قد فقدت أحد أهم أسس العدالة.

ولهذا فإن إدارة الخلاف تبدأ قبل حدوثه، من خلال:

– وضوح الهيكل التنظيمي.
– تحديد الاختصاصات والصلاحيات.
– الفصل بين الأدوار الرقابية والتنفيذية.
– وجود قنوات واضحة للتظلم والشكاوى.
– توثيق القرارات.
– اعتماد معايير موحدة للمساءلة.
– حماية حق الاختلاف المهني.
– منع تضارب المصالح.
– وإيجاد آليات محايدة لمعالجة النزاعات.

☆ لا تقتلوا «صوت الاختلاف»

من أكثر الممارسات ضررًا بالمؤسسات معاقبة الشخص لأنه قال: «لا».

إذا أصبحت الاجتماعات مكانًا للموافقة فقط فقد تفقد المؤسسة أهم أدوات التصحيح.

الموظف أو العضو الذي يطرح سؤالًا صعبًا ليس بالضرورة معارضًا والذي ينتقد قرارًا ليس بالضرورة متمردًا والذي يلفت الانتباه إلى خلل لا يعمل ضد المؤسسة بالضرورة.

أحيانًا يكون صوت الاختلاف هو آخر جهاز إنذار قبل وقوع الكارثة.

ولهذا يجب أن تفرق المؤسسات بين:

الاختلاف المهني الذي ينبغي حمايته
ومخالفة النظام التي ينبغي معالجتها
والتخريب المتعمد الذي يستوجب المساءلة.

الخلط بين هذه المستويات الثلاثة يصنع بيئة تخاف فيها الكفاءات من الكلام بينما يزداد نفوذ أصحاب الصوت الأعلى.

☆ اختلاف الأجيال والخبرات

من الخلافات التي تستحق اهتمامًا خاصًا داخل المنظمات الخلاف بين الأجيال والخبرات.

قد يرى أصحاب الخبرة أن التجربة الطويلة تمنحهم أفضلية في فهم العمل وهذا صحيح إلى حد كبير.

وقد يرى الجيل الجديد أن كثيرًا من الأدوات والأساليب تغيرت وأن المؤسسة تحتاج إلى الابتكار والرقمنة وأساليب إدارة حديثة وهذا صحيح أيضًا.

المشكلة تبدأ عندما يتحول الأمر إلى صراع:

«نحن نعرف لأننا قدامى»
في مقابل
«نحن نعرف لأننا جدد».

والحقيقة أن المؤسسة الذكية لا تختار بين الخبرة والتجديد.

إنها تجمع بينهما.

الخبرة تمنع تكرار أخطاء الماضي والتجديد يمنع المؤسسة من البقاء أسيرة الماضي.

ومن هنا ينبغي تحويل اختلاف الأجيال إلى مساحة للتكامل لا إلى معركة نفوذ.

☆ لا تجعلوا العمل الإنساني غطاءً للخلافات الشخصية

هناك حساسية خاصة في منظمات العمل التطوعي والإنساني.

فالخطاب الأخلاقي والإنساني يمكن أن يكون مصدر قوة للمؤسسة لكنه قد يتحول إذا أسيء استخدامه إلى وسيلة لإسكات النقد.

لا يجوز أن نقول لشخص:

«نحن منظمة خيرية فلا تفتح هذه القضايا».

ولا يجوز أن نستخدم قيم التطوع والعطاء لتبرير ضعف الإدارة أو تجاوز اللوائح.

فالعمل الإنساني لا يعفي من الحوكمة؛ بل يجعل الحاجة إليها أكبر.

النية الطيبة لا تكفي لإدارة مؤسسة والرسالة النبيلة لا تمنح أحدًا حصانة من المساءلة.

☆ عندما يخرج الخلاف من داخل المنظمة… من يدفع الثمن؟

قد يظن البعض أن الخلاف بين أعضاء مجلس الإدارة أو بين الإدارة التنفيذية والعاملين شأن داخلي لا يتجاوز أطرافه.

وهذا تصور غير دقيق.

فالمنظمة ليست كيانًا مغلقًا؛ وراء كل قرار مستفيد ينتظر خدمة وأسرة تنتظر مساعدة ومجتمع ينتظر تدخلًا ومانح وضع ثقته وموارده في هذه المؤسسة.

وعندما يتحول الخلاف الداخلي إلى تعطيل للقرار أو تأخير للمشروعات أو تجميد للموارد أو إرباك للبرامج فإن آثاره تنتقل مباشرة إلى المستهدفين.

المستفيدون ليسوا وقودًا للخلافات

أقسى ما يمكن أن يحدث أن يتحول المستفيد بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى ضحية لصراع لا علاقة له به.

قد يتأخر توزيع المساعدات أو تتعطل خدمة أو يتوقف نشاط أو تتأخر إحالة حالة إنسانية بسبب خلاف بين قيادات أو إدارات.

وهنا يجب أن نتوقف عند سؤال أخلاقي قبل أن يكون إداريًا:

ما ذنب الأسرة التي تنتظر المساعدة حتى تدفع ثمن خلاف لم تكن طرفًا فيه؟

في العمل الإنساني لا يمكن اعتبار تعطيل الخدمة مجرد «خلاف إداري». فإذا كان القرار المختلف عليه يمس حياة الناس أو كرامتهم أو احتياجاتهم الأساسية فإن المسؤولية تصبح أكبر ويصبح واجب القيادات أن تفصل بين خلافاتها وبين استمرار الخدمة.

فالخلاف يمكن أن يُناقش ويمكن أن يُحال إلى الوساطة أو جهة الاختصاص ويمكن أن يُؤجل البت فيه وفق الإجراءات؛ لكن احتياجات الناس لا تنتظر دائمًا حتى ينتهي الخلاف.

والمانح أيضًا يراقب ما وراء المشروع

المانح لا يمنح الموارد للمؤسسة اعتمادًا على المشروع وحده وإنما يمنحها قدرًا من الثقة في قدرتها على إدارة هذه الموارد وتحقيق الأثر المتفق عليه.

ولذلك فإن الخلافات الداخلية المتكررة قد تؤثر في صورة المنظمة أمام المانحين خصوصًا عندما تظهر في شكل:

– تأخير في تنفيذ الأنشطة.
– ضعف في التقارير والمتابعة.
– تغيّر متكرر في المسؤولين عن المشروع.
– تضارب في المعلومات المقدمة للمانح.
– تعطّل في اتخاذ القرارات.
– عدم وضوح في الصلاحيات.
– أو ظهور نزاعات داخلية إلى العلن.

وقد لا يقول المانح إن المشكلة «خلاف داخلي» لكنه قد يترجمها إلى لغة أكثر مؤسسية: مخاطر حوكمة، ضعف قدرة تنفيذية، ضعف في الضبط الداخلي، أو ارتفاع مخاطر الشراكة.

وهذه نقطة ينبغي أن تدركها المنظمات جيدًا.

فالمانح قد يتفهم ظرفًا استثنائيًا وقد يقبل تأخرًا مبررًا لكنه يصبح أقل استعدادًا للمخاطرة عندما يشعر أن المؤسسة نفسها غير قادرة على إدارة بيتها الداخلي.

📌الثقة تُبنى ببطء… وتُفقد بسرعة

العلاقة بين المنظمة والمانح تقوم في جوهرها على الثقة.

والثقة لا تعني عدم وجود اختلافات وإنما تعني أن المنظمة قادرة على إدارة اختلافاتها دون أن تؤثر في التزاماتها.

ومن هنا فإن المنظمة الناضجة لا تخفي الخلافات عن المانح إذا أصبحت ذات تأثير جوهري على المشروع ولا تستخدم المانح طرفًا في صراعاتها الداخلية ولا تحاول كسبه ضد طرف آخر.

فمن الأخطاء الخطيرة أن يتحول المانح إلى ساحة لتصفية الحسابات الداخلية.

أن يكتب هذا الطرف للمانح ليشتكي من ذاك أو يحاول طرف إقناع المانح بأن «المشكلة كلها في الإدارة» أو أن تستخدم التقارير والمعلومات كأدوات ضغط داخلية؛ كل ذلك لا يضر بالخصوم فقط بل يضر بصورة المنظمة كلها.

المانح شريك في تحقيق الأثر وليس طرفًا في خلافاتنا الداخلية.

لا تجعلوا المستفيد والمانح رهائن للخلاف

من أبسط قواعد الحوكمة في المنظمات الإنسانية أن يستمر العمل قدر الإمكان بمعزل عن الخلافات الشخصية.

إذا اختلف مجلس الإدارة مع الإدارة التنفيذية يجب ألا يتوقف المشروع.

وإذا اختلف مدير مع موظف يجب ألا تتعطل خدمة المستفيدين.

وإذا اختلفت إدارتان يجب ألا تتوقف البيانات أو التقارير أو عمليات الإحالة.

وإذا كان هناك نزاع على الصلاحيات فيجب الرجوع إلى النظام الأساسي واللوائح والتفويضات لا تحويل المشروع إلى ورقة ضغط.

المستفيد ليس ورقة تفاوض والمانح ليس حكمًا في خلافاتنا الداخلية والمشروع الإنساني ليس ساحة للصراع.

☆ السمعة المؤسسية… الخسارة التي لا تظهر في الميزانية

قد تنتهي المشكلة الداخلية بمحضر اجتماع أو قرار إداري لكن أثرها على السمعة قد يستمر طويلًا.

فالخبرات تغادر والمتطوعون يبتعدون والشركاء يترددون والمجتمع يفقد الثقة والمانح يعيد حساباته.

وقد يكون من السهل تعويض جهاز أو أثاث أو بعض الموارد المالية لكن استعادة الثقة أصعب بكثير.

ولهذا يجب أن تدرك القيادات أن الخلاف الداخلي إذا خرج إلى المجتمع أو وسائل التواصل الاجتماعي فقد انتقل من قضية داخلية إلى قضية سمعة مؤسسية.

وهنا لا ينبغي أن يكون الهدف هو «إخفاء المشكلة»، وإنما إدارتها بمهنية تمنع تحولها إلى أزمة ثقة عامة.

☆ متى يصبح الخلاف مخالفة تستوجب المساءلة؟

التسامح مع الاختلاف لا يعني التسامح مع كل السلوكيات.

هناك فرق واضح بين أن يقول عضو:

«أنا لا أوافق على هذا القرار».

وبين أن يقول:

«سأمنع تنفيذ القرار مهما كان».

هناك فرق بين النقد المهني وبين التشهير.

وبين الاعتراض وبين التحريض.

وبين كشف خلل مؤسسي عبر القنوات الصحيحة وبين تسريب المعلومات للإضرار بالمؤسسة.

وبين المطالبة بالحقوق وبين تعطيل العمل عمدًا.

لذلك يجب أن تكون لدى المنظمة معايير واضحة تحدد متى يكون السلوك اختلافًا مشروعًا ومتى يتحول إلى مخالفة تستوجب التحقيق أو المساءلة.

📌الاختلاف حق لكن الإضرار المتعمد بالمؤسسة ليس حقًا.

☆ الوساطة أفضل من التصعيد… متى كانت عادلة

ليست كل الخلافات بحاجة إلى مجلس إدارة أو تحقيق أو عقوبات.

في كثير من الحالات يمكن أن تؤدي الوساطة المهنية دورًا مهمًا في إعادة بناء الثقة بين الأطراف.

لكن الوساطة لا تعني الضغط على الطرف الأضعف للتنازل ولا تعني «ترضية الجميع» على حساب الحقيقة.

الوساطة الناجحة تحتاج إلى شخص أو جهة تتصف بالحياد وتستمع إلى الأطراف وتحدد نقاط الخلاف وتساعد على الوصول إلى حل قابل للتنفيذ مع توثيق ما تم الاتفاق عليه.

والأهم أن الوساطة يجب ألا تستخدم للتغطية على المخالفات الجسيمة أو الفساد أو إساءة استخدام السلطة أو الانتهاكات التي تستوجب مسارًا واضحًا للمساءلة.

من إدارة النزاع إلى بناء «مناعة مؤسسية»

المنظمات الحديثة لا ينبغي أن تكتفي بامتلاك آلية لحل النزاعات بعد وقوعها.

الأفضل هو بناء ما يمكن تسميته «المناعة المؤسسية ضد الخلاف المدمر».

وتبدأ هذه المناعة من اختيار القيادات القادرة على إدارة الناس لا السيطرة عليهم ومن بناء ثقافة تنظيمية تقوم على الاحترام والشفافية ومن تدريب القيادات والعاملين على الحوار والتفاوض والوساطة ومن وجود نظم عادلة للمساءلة والتظلمات.

كما أن التحول الرقمي يمكن أن يساعد في تقليل كثير من النزاعات الناتجة عن غياب المعلومات من خلال توثيق القرارات وضبط الصلاحيات وأرشفة المحاضر وتتبع الإجراءات وتوفير المعلومات الواضحة لمن يملك حق الوصول إليها.

لكن التقنية لا تحل مشكلة غياب العدالة؛ فهي فقط تجعل النظام أكثر كفاءة.

فإذا كان النظام نفسه منحازًا فإن التقنية قد تجعل الانحياز أكثر سرعة وتنظيمًا.

☆ من «حل المشكلة» إلى «منع تكرارها»

من الأخطاء أن تنتهي معالجة الخلاف بمجرد تهدئة الأطراف.

الهدوء ليس بالضرورة حلًا.

قد يتوقف الطرفان عن الحديث بينما يبقى سبب الخلاف قائمًا.

ولهذا يجب أن تسأل المؤسسة بعد كل خلاف مهم:

ما السبب الحقيقي للخلاف؟

هل كانت الصلاحيات غير واضحة؟

هل كانت هناك فجوة في المعلومات؟

هل توجد لائحة تحتاج إلى تعديل؟

هل هناك تضارب في الاختصاصات؟

هل كانت آلية اتخاذ القرار غير واضحة؟

هل يحتاج العاملون أو القيادات إلى تدريب؟

هل توجد مشكلة في ثقافة المؤسسة نفسها؟

إذا لم تجب المؤسسة عن هذه الأسئلة فإنها قد تعالج الخلاف الحالي لكنها تترك الباب مفتوحًا لتكراره.

📌المؤسسة المتعلمة لا تكتفي بإغلاق ملف الخلاف؛ بل تستخرج منه درسًا يمنع تكراره.

☆ في المنظمات الصغيرة والمتطوعين… الحساسية أكبر

تزداد صعوبة إدارة الخلاف في المنظمات الصغيرة أو تلك التي تعتمد بصورة كبيرة على المتطوعين لأن العلاقات الشخصية تكون غالبًا متداخلة مع العلاقات المؤسسية.

قد يكون المدير صديقًا قديمًا للمتطوع أو يكون أحد أعضاء مجلس الإدارة قريبًا من أحد العاملين أو تكون المجموعة التي أسست المنظمة مرتبطة بعلاقات اجتماعية قوية.

هذه العلاقات ليست مشكلة في حد ذاتها.

لكن المشكلة تبدأ عندما تحل العلاقة الشخصية محل النظام.

ولهذا تحتاج المنظمات الصغيرة إلى وضوح أكبر في الأدوار وليس أقل.

فالمنظمة التي تعتمد على العمل التطوعي تحتاج إلى أن تقول بوضوح:

نحن نحترم العلاقات الإنسانية لكننا لا ندير المؤسسة بالعلاقات الإنسانية وحدها.

الخلاف في السياق السوداني… تحدٍ يتجاوز الإدارة

في السياق السوداني حيث تعرضت المؤسسات والمجتمعات لضغوط شديدة بسبب الحرب وفقدت منظمات ومؤسسات كثيرة جزءًا من مواردها أو مقراتها أو كوادرها وأصبحت تعمل في بيئات معقدة فإن إدارة الخلاف لم تعد مسألة إدارية ثانوية.

إنها جزء من استمرارية المؤسسة وقدرتها على الصمود.

فالمنظمة التي تستنزف طاقتها في صراعات داخلية لن تستطيع أن تستجيب بكفاءة لمعاناة المجتمعات.

وفي الوقت الذي يحتاج فيه السودان إلى منظمات أكثر احترافًا وقدرة على التنسيق والتكامل والشراكة فإن استمرار الصراعات الداخلية والشللية والاستقطاب وتضارب الصلاحيات وتهميش الكفاءات سيضعف الدور الذي يفترض أن تؤديه هذه المنظمات في الاستجابة الإنسانية والتعافي وإعادة البناء.

وهنا يجب أن نكون واضحين:

ليس من المقبول أن تكون المنظمة قادرة على إدارة مشروع بملايين الجنيهات لكنها عاجزة عن إدارة خلاف بين اثنين من قياداتها.

وليس من المنطقي أن نتحدث عن بناء السلام المجتمعي بينما نعجز عن بناء ثقافة سلام داخل مؤسساتنا.

قواعد لإدارة الخلاف داخل منظمات العمل التطوعي والإنساني

بعد استعراض طبيعة الخلاف داخل المؤسسات وأسبابه وآثاره على بيئة العمل والعاملين والمستفيدين والمانحين يصبح من الضروري الانتقال من تشخيص المشكلة إلى تقديم ممارسات عملية تساعد القيادات والعاملين على إدارتها بصورة مؤسسية.

فنجاح المنظمة لا يقاس فقط بامتلاكها اللوائح والهياكل وإنما بقدرتها على تحويل هذه اللوائح إلى سلوك وممارسة عند الاختلاف. كما أن إدارة الخلاف ليست مسؤولية طرف واحد؛ فهي مسؤولية مشتركة تبدأ من مجالس الإدارات والقيادات التنفيذية وتمتد إلى العاملين والمتطوعين واللجان والوحدات المختلفة.

ومن هنا فإن القواعد التالية لا تُطرح باعتبارها وصفة جامدة تصلح لكل حالة وإنما باعتبارها مبادئ عملية يمكن أن تساعد المنظمة على احتواء الخلاف قبل أن يتحول إلى صراع وإدارة الصراع قبل أن يتحول إلى انقسام وتحويل الاختلاف من مصدر استنزاف إلى فرصة للتعلم والتطوير وبناء مؤسسة أكثر نضجًا.

والقاعدة الأساسية التي تجمع هذه المبادئ كلها هي:

> اختلفوا في الرأي ولكن لا تختلفوا على مصلحة المؤسسة ورسالتها؛ وانتصروا للحقيقة والنظام لا للأشخاص والمواقع.

1. افصلوا الأشخاص عن القضايا

ناقشوا القرار والإجراء والنتيجة ولا تحولوا الخلاف المهني إلى خصومة شخصية.

2. احتكموا إلى النظام لا إلى النفوذ

اللائحة والصلاحية والتفويض والوقائع هي المرجعية وليس قرب الشخص من القيادة.

3. احموا حق الاختلاف المهني

لا تجعلوا الاعتراض المهني سببًا للإقصاء أو الانتقام.

4. لا تستخدموا المانحين في الخلافات الداخلية

المانح شريك في الأثر وليس طرفًا في الصراع.

5. لا تجعلوا المستفيد يدفع الثمن

يجب ألا تتحول الخدمة الإنسانية إلى ورقة ضغط بين أطراف النزاع.

6. لا تخلطوا بين الحوكمة والتنفيذ

مجلس الإدارة يراقب ويوجه والإدارة التنفيذية تنفذ وفق الصلاحيات المعتمدة.

7. قاوموا الشللية

المؤسسة تُدار بالكفاءة والمعايير لا بالمجموعات والولاءات الشخصية.

8. استخدموا الوساطة قبل التصعيد متى كان ذلك مناسبًا

لكن دون أن تتحول الوساطة إلى وسيلة لإخفاء المخالفات أو إهدار الحقوق.

9. وثقوا الخلافات والقرارات

فالتوثيق يحمي المؤسسة والأفراد ويقلل مساحة الشائعات والتأويلات.

10. حوّلوا كل خلاف مهم إلى درس مؤسسي

إذا لم يتغير شيء بعد الخلاف فمن المرجح أن يتكرر.

و أخيرا

إدارة الخلاف ليست مهارة لتجنب المشاكل فقط وإنما هي اختبار حقيقي لنضج المؤسسة.

المؤسسة القوية ليست التي لا تختلف وإنما التي تعرف كيف تختلف ومتى تتحاور ومتى تحتكم إلى النظام ومتى تتدخل الوساطة ومتى تبدأ المساءلة.

والمؤسسة الناضجة لا تخشى من السؤال الصعب ولا من الرأي المخالف ولا من النقد المهني؛ لأنها تعرف أن قوتها لا تأتي من إسكات الأصوات المختلفة وإنما من قدرتها على الاستماع إليها وفرز ما فيها من صواب ثم اتخاذ القرار وفق المصلحة المؤسسية.

أما المؤسسة الضعيفة فإنها غالبًا تؤجل الخلاف ثم تفاجأ به وقد أصبح انقسامًا.

والأخطر أن الخلاف عندما يتحول إلى صراع داخلي لا يستهلك وقت القيادات والعاملين فقط بل قد يستهلك موارد المؤسسة ويعطل برامجها ويهز ثقة المانحين ويضعف علاقتها بالشركاء ويؤثر في سمعتها وفي النهاية قد يصل أثره إلى المستفيد الذي لا علاقة له أصلًا بالخلاف.

ولهذا يجب أن نتذكر دائمًا أن المنظمة الإنسانية ليست ملكًا للأشخاص الذين يديرونها وإنما أمانة ورسالة ومؤسسة تخدم الناس.

مجلس الإدارة ليس المنظمة.

والمدير العام ليس المنظمة.

والموظف القديم ليس المنظمة.

والمؤسس ليس المنظمة وحده.

والمانح ليس المنظمة.

حتى المتطوع مهما كان عطاؤه كبيرًا ليس المنظمة وحده.

المنظمة أكبر من جميع الأشخاص ورسالتها أبقى من مواقعهم.

ومن هنا فإن الخلاف الحقيقي الذي ينبغي أن نخاف منه ليس اختلاف شخصين وإنما أن تتحول المؤسسة إلى مجموعة أشخاص لكل منهم مؤسسته الخاصة داخل المؤسسة الأم.

وعندما يحدث ذلك تصبح اللوائح مجرد أوراق والهياكل مجرد مسميات والاجتماعات مجرد ساحات لتبادل المواقف وتصبح الرسالة الإنسانية أول من يدفع الثمن.

لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه قيادات منظمات العمل التطوعي والإنساني ليس:

«كيف نمنع الخلاف؟»

بل:

«كيف نبني مؤسسة تستطيع إدارة الخلاف دون أن تفقد وحدتها ودون أن تتنازل عن العدالة ودون أن يتحول اختلاف الأشخاص إلى خسارة للمؤسسة ورسالتها ومستفيديها وشركائها ومانحيها؟»

فالخلاف الذي يُدار بعدالة يمكن أن يصنع مؤسسة أقوى.

والاختلاف الذي يُحترم يمكن أن ينتج قرارًا أفضل.

والنقد الذي يُسمع يمكن أن يمنع خطأً أكبر.

أما الخلاف الذي يُدار بالمحاباة أو الخوف أو الإقصاء أو الشخصنة فإنه لا يقتل العلاقات فقط؛ بل قد يقتل المؤسسة من الداخل مهما بدا شكلها الخارجي متماسكًا.

وفي النهاية تظل القاعدة الأهم:

📍«الأشخاص قابلون للاستبدال والمواقع مؤقتة والاختلاف طبيعي؛ أما المؤسسة ورسالتها وحقوق مستفيديها وثقة شركائها ومانحيها فهي أمانة لا ينبغي أن تخضع لأهواء الأشخاص.»

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى