مقالات

النطاسي الترياق… عندما يختار الطبيب هدوء الريف عيادةً ومشفى بقلم: علي الكجم

النطاسي الترياق... عندما يختار الطبيب هدوء الريف عيادةً ومشفى بقلم: علي الكجم

النطاسي الترياق… عندما يختار الطبيب هدوء الريف عيادةً ومشفى

بقلم: علي الكجم

في زمن تتداخل فيه الأصوات، وتتسارع فيه الإيقاعات، ويُختزل فيه الإنسان أحياناً في رقم أو ملف، يبقى هناك من يذكرنا بأن جوهر الطب لم يكن يوماً مجرد شهادة أو لقب، بل كان وما زال رسالة إنسانية تسبق الكتب والتشخيصات.

مهنة الطب، بتعقيداتها وتشعباتها، تظل واحدة من أسمى المهن وأكثرها قدسية، ليس لأنها تعالج الجسد فقط، بل لأن الطبيب الإنساني فيها يعيد تعريف معنى الحياة كل يوم. إنه الملاذ الحاضر، والصديق الأقرب، وترياق الروح قبل الجسد.

ومن هؤلاء، نجد مستر عثمان خالد، ذلك الرجل الذي جمع بين شرف المهنة وتواضع العظماء، فمشى بين الناس لا يفرق بين غني وفقير، ولا يعلو صوته إلا بالكلمة الطيبة. لقد اختار أن يكون نمط حياته الوسطي، بعيداً عن صخب المدن ومظاهر البذخ، مفضلاً هدوء الريف عيادةً ومشفى، حيث تلتقي الإنسانية بالكفاءة.

طبيب في خندق الكرامة

لم يكن مستر عثمان مجرد طبيب في زمن الرخاء، بل كان أيقونة ثابتة في “الجيش الأبيض” أيام اشتد البأس وحمي الوطيس، أيام حرب الكرامة الوجودية التي فرغت المدن والقرى من ساكنيها. في شمال أمدرمان، وتحديداً في مشافي الجزيرة وسلانح وما حولها، عمل بجد خالص على تطبيب الجراح، وتضميد النفوس، مؤكداً أن الطب الحقيقي لا يتوقف عند حدود الجسد، بل يمتد إلى الروح التي أنهكها الخوف والنزوح.

إنه واحد من أبرز الكوادر الطبية الشابة الطموحة التي برعت في استشارات الجراحة العامة وجراحة المناظير، لكن إنسانيته هي التي جعلت منه حالة فريدة.

ما يحتاج إليه المرضى أكثر من الدواء

مستر عثمان يدرك أن المريض ليس مجرد حالة سريرية، بل إنسان يحتاج إلى كرامة وفهم واحترام. لذلك ظلت الإنسانية عنده عنوان السلامة الأول، والتركيز على خصوصية المرضى خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.

وفي هذا السياق، فإن نسبة التردد اليومي على عيادته في “ضاحية البادبوبة” تتحدث عن نفسها. إنها ليست دعاية أو نمطاً إسفيرياً مزعوماً، بل هي شهادة حية من جموع المرضى الذين وجدوا فيه النطاسي الحاذق، والجراح الماهر، والإنسان قبل كل شيء.

ابتسامة هي الدعاية الوحيدة

الحقيقة أن مستر عثمان لا يحتاج إلى من يعلن عنه، ولا إلى حملات ترويجية تضخم حضوره. فدعايته الحقيقية هي تلك الابتسامة العريضة التي تعلو وجوه العابسين والمتجهمين الذين هدهم المرض، وأسكن الألم في أجسادهم. دعايته هي راحة تعقب عناء، وأمل يشرق من قلب اليأس.

في النهاية، يظل مستر عثمان خالد نموذجاً يذكرنا بأن الطب مهنة لا تعلو فيها القاب على الأفعال، وأن أرقى درجات الرحمة والشفقة أن تضع نفسك مكان من يعاني، ثم تمتد يدك لا لتشخص فقط، بل لترفع.

طوبى لمن جعلوا الإنسانية تخصصهم الأول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى