من انتظار الكارثة إلى صناعة الأمان ماذا يحتاج السودان في اليوم الدولي للحد من مخاطر الكوارث؟ إعداد: د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني 13 أكتوبر 2026م
من انتظار الكارثة إلى صناعة الأمان ماذا يحتاج السودان في اليوم الدولي للحد من مخاطر الكوارث؟ إعداد: د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني 13 أكتوبر 2026م

من انتظار الكارثة إلى صناعة الأمان
ماذا يحتاج السودان في اليوم الدولي للحد من مخاطر الكوارث؟
إعداد:
د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد
باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني
13 أكتوبر 2026م
مدخل: حين ترسو السفينة في الخرطوم… يبدأ امتحان الإصلاح
العودة إلى المركز ليست مجرد انتقال للمكاتب بل فرصة لترسيخ منظومة وطنية أكثر استعدادًا للكوارث والمخاطر.
مع عودة المؤسسات وترتيب أوضاعها في الخرطوم تبرز فرصة مهمة لإعادة النظر في كيفية إدارة الشأن الإنساني ليس من زاوية الاستجابة للاحتياجات الراهنة فحسب بل من منظور بناء منظومة وطنية أكثر قدرة على استشراف الأزمات والاستعداد للكوارث والحد من آثارها على الإنسان والمجتمع.
وفي هذا السياق يستحق الدور الذي اضطلعت به مفوضية العون الإنساني الاتحادية بقيادتها وطاقمها والعاملين فيها خلال الفترة الماضية التقدير والشكر على ما بذلوه من جهود في ظروف استثنائية ومعقدة تطلبت قدرًا كبيرًا من المتابعة والتنسيق والعمل وسط تحديات الحرب والنزوح وتزايد الاحتياجات الإنسانية.
كما أن تعزيز ارتباط المفوضيات الولائية بالمستوى الاتحادي يمثل خطوة مهمة نحو ترسيخ قومية الشأن الإنساني وتوحيد الرؤية وتحسين التنسيق بين المستويات المختلفة متى ما اقترن ذلك بوضوح الاختصاصات وتكامل الأدوار وتبادل المعلومات واحترام خصوصية الاحتياجات المحلية.
ولعل المرحلة المقبلة تتيح فرصة للبناء على ما تحقق وتطوير أدوات العمل المؤسسي ومراجعة قواعد البيانات وخرائط المخاطر وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية ووضع مؤشرات عملية لقياس الجاهزية وربط الإنذار المبكر بإجراءات استباقية واضحة تحد من الخسائر وتحمي الأرواح وسبل العيش.
فإدارة الكوارث لا تبدأ عند وقوع الكارثة ولا تنتهي بتوزيع المساعدات؛ بل تبدأ بالتخطيط والمعرفة والاستعداد وتمتد إلى الوقاية والاستجابة والتعافي وإعادة البناء.
إنها دعوة للبناء على الجهود المبذولة وتحويل الخبرة المتراكمة إلى منظومة أكثر كفاءة واستعدادًا؛ فحين ترسو السفينة في الخرطوم لا يكون التحدي مجرد استعادة المكاتب بل تأسيس قدرة وطنية تجعل الإنسان أكثر أمانًا والمؤسسات أكثر جاهزية والمجتمع أكثر قدرة على مواجهة ما قد يأتي.
مقدمة: الكارثة لا تبدأ عندما يسقط المنزل
ليست الكارثة دائمًا لحظة انهيار منزل أو اجتياح سيل لقرية أو فقدان أسرة لمصدر رزقها بسبب الجفاف. ففي كثير من الأحيان تبدأ الكارثة قبل ذلك بوقت طويل؛ عندما يُتجاهل الخطر أو يغيب التخطيط أو تتعطل إجراءات الوقاية أو تصل التحذيرات متأخرة أو يعجز الناس عن الوصول إلى مكان آمن.
من هنا تأتي أهمية اليوم الدولي للحد من مخاطر الكوارث الذي يوافق الثالث عشر من أكتوبر من كل عام باعتباره مناسبة لتجديد الالتزام العالمي بحماية الأرواح والممتلكات وتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة المخاطر قبل أن تتحول إلى مآسٍ إنسانية.
وفي السودان تكتسب هذه المناسبة دلالة استثنائية؛ إذ تتداخل مخاطر الفيضانات والسيول والجفاف والأوبئة مع تداعيات الحرب والنزوح وتدمير البنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية. ولم يعد السؤال مقتصرًا على كيفية الاستجابة للكارثة بعد وقوعها بل أصبح متعلقًا بقدرة الدولة والمجتمع على توقع المخاطر والحد من آثارها وحماية الفئات الأكثر تعرضًا لها.
إن التحدي الحقيقي ليس أن نصبح أكثر مهارة في التعامل مع الكوارث بعد وقوعها بل أن نبني منظومة تقلل احتمالات تحول المخاطر إلى كوارث وتمنع ما يمكن منعه من الخسائر والمعاناة.
أولًا: الخلفية التاريخية للمناسبة وأسباب الاحتفاء بها
بدأت الجهود الأممية لإقرار اليوم الدولي للحد من مخاطر الكوارث عام 1989 عقب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 44/236 الذي أعلن العقد الدولي للحد من الكوارث الطبيعية للفترة 1990–1999 ودعا إلى تعزيز الوعي العالمي بالوقاية من الكوارث الطبيعية وآثارها.
وفي 21 ديسمبر 2009 اعتمدت الجمعية العامة القرار رقم 64/200ع الذي حدد يوم 13 أكتوبر موعدًا سنويًا للاحتفاء باليوم الدولي للحد من الكوارث وتعزيز ثقافة عالمية للوقاية والحد من المخاطر والاستعداد لها. .
ولا تقتصر أهمية هذا اليوم على التوعية بمخاطر الظواهر الطبيعية مثل الفيضانات والجفاف والزلازل بل تمتد إلى تعزيز فهم العوامل التي تجعل بعض المجتمعات أكثر تعرضًا للخسائر من غيرها.
فالظاهرة الطبيعية لا تؤدي بالضرورة إلى كارثة واسعة النطاق؛ إذ تتحدد شدة آثارها أيضًا بموقع السكان وجودة المساكن وكفاءة البنية التحتية ومدى توفر الإنذار المبكر وقدرة المؤسسات على التدخل وإمكانات الأسر في حماية نفسها واستعادة حياتها.
ومن هنا تطور مفهوم الحد من مخاطر الكوارث من مجرد الاستعداد للطوارئ إلى معالجة أسباب الهشاشة وإدماج المخاطر في سياسات التنمية والتخطيط العمراني وإدارة الموارد والاستثمار العام.
ثانيًا: إطار سنداي… من الاستجابة إلى الوقاية
يمثل إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث للفترة 2015–2030 المرجعية الدولية الأساسية في هذا المجال. وقد اعتُمد في مارس 2015، واضعًا أربع أولويات للعمل:
1. فهم مخاطر الكوارث وأسبابها وآثارها.
2. تعزيز حوكمة مخاطر الكوارث وإدارة المسؤوليات المتعلقة بها.
3. الاستثمار في الحد من المخاطر من أجل تعزيز القدرة على الصمود.
4. تعزيز الاستعداد للكوارث بما يضمن استجابة فعالة، وإعادة بناء أفضل وأكثر أمانًا.
وتقوم فلسفة الإطار على أن الحد من الكوارث لا يتحقق بالاستجابة وحدها وإنما بدمج الوقاية والاستعداد في القرارات الاقتصادية والعمرانية والاجتماعية والبيئية.
فلا يكفي إنشاء مركز للطوارئ إذا كانت المناطق السكنية تتوسع في مجاري السيول ولا يكفي إصدار التحذيرات إذا لم تصل إلى السكان أو لم تتوفر لهم وسائل الإخلاء ولا يكفي إعادة بناء المرافق المتضررة إذا أُعيد تشييدها بالشروط نفسها التي جعلتها عرضة للخطر.
وهنا تبرز مسؤولية الحكومات في التخطيط والتنظيم وتوفير التمويل ومسؤولية القطاع الخاص في الاستثمار الآمن ومسؤولية المؤسسات العلمية في توفير البيانات ودور المجتمعات المحلية في تحديد المخاطر والمشاركة في الحلول.
وبذلك يصبح الحد من مخاطر الكوارث جزءًا أصيلًا من التنمية المستدامة لا نشاطًا موسميًا يُستدعى عند اقتراب الخريف أو وقوع الطوارئ.
للاطلاع على المرجعية الدولية: .
ثالثًا: السودان… حين تتداخل المخاطر الطبيعية مع الكارثة الإنسانية
يواجه السودان مخاطر متكررة تشمل الفيضانات والسيول والجفاف وما يرتبط بها من أضرار للمساكن والمزارع والطرق ومصادر المياه فضلًا عن آثارها على الأمن الغذائي والصحة العامة وسبل العيش.
وقد أشار مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث في فبراير 2023 إلى الفيضانات والسيول والجفاف بوصفها من أبرز المخاطر التي تواجه البلاد مؤكدًا أهمية الإنذار المبكر والعمل الاستباقي والتنسيق بين المؤسسات المعنية.
وتكشف تجربة فيضانات عام 2020 عن حجم الخسائر الممكنة؛ إذ أورد المكتب استنادًا إلى بيانات وزارة الداخلية السودانية وفاة 99 شخصًا وتضرر أكثر من نصف مليون شخص إلى جانب انهيار عشرات الآلاف من المنازل. .
لكن قراءة الواقع السوداني اليوم لا يمكن أن تتوقف عند المخاطر الطبيعية وحدها. فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 أضافت أبعادًا بالغة التعقيد إلى الأزمة من خلال النزوح الواسع وتضرر المرافق الصحية والمائية والتعليمية وتعطل الخدمات الأساسية وتراجع قدرة كثير من الأسر على مواجهة الصدمات الجديدة.
وتشير خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية للسودان لعام 2026 الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن نحو 33.7 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية خلال العام وأن الفيضانات الموسمية وتفشي الأمراض وتدهور خدمات المياه والصحة تتفاعل مع آثار النزاع لتفاقم الاحتياجات. كما أفادت الخطة بأن الفيضانات أثرت في نحو 120 ألف شخص خلال عام 2025. .
وتعني هذه المعطيات أن المخاطر في السودان لم تعد منفصلة بعضها عن بعض؛ فالأسرة التي فقدت منزلها بسبب الحرب قد تضطر إلى الإقامة في مأوى مؤقت معرض للأمطار. والمجتمع الذي تضررت شبكته المائية يصبح أكثر عرضة للأمراض عندما تتلوث مصادر المياه. والمزارع الذي فقد أرضه أو أدوات إنتاجه يصبح أقل قدرة على مواجهة الجفاف أو خسارة موسم زراعي جديد.
وعليه فإن التعامل مع الكوارث في السودان يقتضي مقاربة متكاملة تجمع بين الحد من المخاطر والاستجابة الإنسانية والتعافي المبكر وإعادة الإعمار والتكيف مع التغيرات المناخية.
فحين تتراكم المخاطر لا تكفي الحلول المنفصلة؛ لأن ما يُعالَج في قطاع قد يتفاقم بسبب خلل في قطاع آخر.
رابعًا: نازحو الفاشر… عندما تتضاعف المخاطر على من فقدوا الأمان
تقدم أوضاع النازحين من الفاشر ومناطق دارفور الأخرى مثالًا واضحًا على تداخل النزاع مع المخاطر الإنسانية والبيئية.
فالنزوح لا يعني الانتقال من منطقة إلى أخرى فحسب بل قد يعني فقدان المنزل ومصدر الدخل وشبكات الدعم الاجتماعي والاعتماد على المساعدات والعيش في ظروف لا تتوفر فيها دائمًا المياه الآمنة أو خدمات الصرف الصحي أو الرعاية الصحية الكافية.
وعندما تصل الأسر النازحة إلى مناطق تستضيفها بإمكانات محدودة تصبح أكثر تعرضًا لمخاطر الأمطار والسيول والأمراض ونقص الغذاء. وقد يتحول خطر موسمي يمكن الحد من آثاره بالتخطيط المسبق إلى أزمة أشد قسوة إذا غابت إجراءات الوقاية أو لم تتوفر الموارد اللازمة للاستجابة.
وقد وثقت خطة الاستجابة الإنسانية للسودان لعام 2026 تصاعد العنف والاحتياجات الإنسانية في دارفور بما في ذلك الفاشر إلى جانب استمرار تضرر البنية التحتية والخدمات الأساسية واتساع مخاطر الحماية. وهذه المعطيات تؤكد ضرورة التعامل مع احتياجات النازحين باعتبارها جزءًا من التخطيط للحد من المخاطر لا ملفًا منفصلًا عنه.
ويقتضي ذلك تقييم مواقع الإيواء، وتحسين تصريف مياه الأمطار وتأمين مصادر المياه وتوفير الصرف الصحي الملائم ووضع خطط للإخلاء عند الضرورة وضمان وصول التحذيرات والمعلومات إلى السكان بوسائل مفهومة ومناسبة.
كما يتطلب دعم قدرة الأسر على استعادة مصادر دخلها وتوفير الخدمات الأساسية وإشراك النازحين والمجتمعات المستضيفة في تحديد الأولويات والحلول.
ولا يجوز اختزال النازحين في وصفهم بأنهم فئة ضعيفة؛ فهم أشخاص فقدوا الأمان بفعل ظروف قاهرة ولهم حقوق أصيلة في الحماية والكرامة والمشاركة في القرارات التي تؤثر في حياتهم.
فلا معنى للحديث عن القدرة على الصمود إذا تُرك النازح في مأوى غير آمن ولا معنى للاستعداد للكوارث إذا ظل الأكثر تعرضًا للخطر خارج حسابات التخطيط والتمويل.
خامسًا: أين تكمن الفجوة السودانية؟
في تقديري لا تتمثل المشكلة الأساسية في غياب المعرفة بمخاطر الفيضانات أو الجفاف وإنما في الفجوة بين المعرفة والقرار وبين التحذير والتحرك وبين وجود المؤسسات والخطط وتحقيق الحماية الفعلية للمواطنين.
لقد شهد السودان جهودًا مؤسسية في هذا المجال؛ ففي فبراير 2023 انعقدت المنصة الوطنية الثانية للحد من مخاطر الكوارث بمشاركة المجلس القومي للدفاع المدني وشركاء متخصصين لمناقشة مخاطر الفيضانات والسيول والجفاف وتعزيز تنفيذ إطار سنداي.
وتناولت المنصة تطوير التنسيق الوطني ودراسة جدوى نظام للإنذار المبكر متعدد المخاطر وتقييم المخاطر المتعددة الأبعاد. وهي موضوعات تمثل أساسًا مهمًا لبناء منظومة وطنية أكثر فاعلية. .
لكن وجود المؤسسات والخطط والفعاليات لا يكفي وحده للحكم على مستوى الجاهزية. فالمعيار الحقيقي هو مدى قدرة المنظومة على تحويل المعلومات إلى قرارات والقرارات إلى إجراءات والإجراءات إلى حماية ملموسة.
وتبرز هنا خمس فجوات تستحق المعالجة:
1. فجوة الاستباق: عندما تظل التحذيرات الجوية والمناخية معلومات فنية لا تتحول في الوقت المناسب إلى تنظيف المصارف وتجهيز مراكز الإيواء وتحديد مسارات الإخلاء وإبعاد السكان عن مناطق الخطر.
2. فجوة التنسيق: عندما تتوزع المسؤوليات بين المؤسسات الحكومية والسلطات الولائية والمحلية والمنظمات الإنسانية والمجتمعات دون وضوح كافٍ للأدوار وآليات تبادل المعلومات والمساءلة.
3. فجوة التمويل: عندما تتركز الموارد على التدخل بعد وقوع الكارثة بينما لا تحظى الوقاية والصيانة والتدريب والإنذار المبكر بالاستثمار المستدام الذي تحتاج إليه.
4. فجوة العدالة في الحماية: عندما تكون المجتمعات الفقيرة والنازحون وسكان المناطق الطرفية أكثر تعرضًا للمخاطر وأقل قدرة على الوصول إلى المعلومات والمأوى الآمن والخدمات الأساسية.
5. فجوة التعلم والمساءلة: عندما تتكرر الأضرار في المواقع نفسها دون مراجعة جادة لأسبابها أو تقييم فاعلية التدخلات السابقة أو تعديل الخطط بناءً على الدروس المستفادة.
إن معالجة هذه الفجوات تتطلب الاعتراف بأن بعض الخسائر لا ترتبط بقوة الظاهرة الطبيعية وحدها بل تتأثر أيضًا بجودة التخطيط ومستوى الاستعداد وتوفر الخدمات ومدى الالتزام بإجراءات الوقاية.
سادسًا: «القدرة على الصمود تبدأ من المنزل»… ولكن من يحمي المنزل؟
اختيرت عبارة «القدرة على الصمود تبدأ من المنزل» شعارًا لليوم الدولي للحد من مخاطر الكوارث لعام 2026 وفق ما أعلنه مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث في يونيو 2026. ويؤكد الشعار أهمية المنزل بوصفه المكان الذي تظهر فيه آثار الكوارث بصورة مباشرة ونقطة البداية لتعزيز الاستعداد والقدرة على التعافي. .
ويحمل الشعار دلالة خاصة في السودان حيث أصبحت سلامة المنزل مرتبطة بأسئلة تتجاوز الجدران والسقف: هل يقع في منطقة آمنة؟ هل تتوفر فيه مياه صالحة للشرب؟ هل تستطيع الأسرة الوصول إلى الخدمات الصحية؟ وهل تعرف إلى أين تتجه إذا ارتفع منسوب المياه أو أصبح المكان غير آمن؟
تستطيع الأسرة اتخاذ تدابير مهمة مثل متابعة التحذيرات وتجهيز حقيبة للطوارئ وحفظ أرقام الاتصال وتأمين المياه ووضع خطة للإخلاء. لكن هذه التدابير لن تكون كافية إذا كان المنزل مشيدًا في مجرى سيل أو كانت شبكات التصريف معطلة أو لم تتوفر طرق آمنة للوصول إلى مراكز الإيواء.
لذلك ينبغي ألا يُفهم الشعار باعتباره تحميلًا للأسر مسؤولية حماية نفسها في مواجهة مخاطر تفوق إمكاناتها.
فالقدرة على الصمود تبدأ من المنزل لكنها لا تكتمل إلا بوجود حي آمن ومجتمع متعاون وسلطات محلية قادرة على التخطيط والصيانة ومؤسسات عامة تستثمر في الوقاية ودولة تضمن وصول الحماية إلى الجميع.
المسؤولية الفردية مهمة لكنها لا تُغني عن المسؤولية العامة؛ والاستعداد الأسري لا يعوّض غياب التخطيط المؤسسي.
سابعًا: ماذا يحتاج السودان عمليًا؟ سبعة مداخل للانتقال إلى الوقاية
إن الانتقال من الاستجابة إلى الوقاية لا يحتاج إلى شعارات إضافية بقدر ما يحتاج إلى برنامج واقعي واضح المسؤوليات قابل للقياس ومراعيًا للظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان.
وأقترح في هذا السياق سبعة مداخل عملية:
أولًا: إعداد خريطة وطنية متعددة المخاطر.
تحديد المناطق الأكثر تعرضًا للفيضانات والسيول والجفاف والأوبئة مع إدراج مناطق النزوح والعودة والمناطق المتأثرة بالحرب. وينبغي أن تستند هذه الخرائط إلى بيانات محدثة وأن تُستخدم في ترتيب أولويات التدخل وتوجيه الموارد لا أن تظل وثائق فنية بعيدة عن القرار التنفيذي.
ثانيًا: تطوير نظام إنذار مبكر يصل إلى الناس.
ربط معلومات الأرصاد الجوية والموارد المائية والدفاع المدني والسلطات المحلية بقنوات اتصال موثوقة تصل إلى المجتمعات الريفية والحضرية ومواقع النزوح. ويجب أن يتضمن الإنذار تعليمات واضحة بشأن إجراءات السلامة ومواقع الإيواء ومسارات الإخلاء ووسائل طلب المساعدة.
فالإنذار الذي لا يصل إلى المواطن أو يصل دون توجيهات قابلة للتنفيذ لا يحقق الغرض منه.
ثالثًا: إنشاء آليات محلية دائمة للحد من المخاطر.
تفعيل لجان على مستوى الأحياء والقرى والمحليات تضم ممثلين عن السلطات المحلية والمنظمات والمتطوعين والنساء والشباب والقيادات المجتمعية وتتولى رصد المخاطر وتنظيم حملات الوقاية وإبلاغ الجهات المختصة والمشاركة في خطط الطوارئ.
ويجب أن تعمل هذه اللجان على مدار العام لا في موسم الأمطار وحده.
رابعًا: تخصيص تمويل واضح للوقاية.
إدراج بنود للحد من مخاطر الكوارث في الموازنات العامة وخطط التنمية تشمل صيانة المصارف وتأهيل شبكات المياه والصرف الصحي وتدعيم المرافق الحيوية وتوفير معدات الإنقاذ وتدريب المجتمعات. كما ينبغي تشجيع الشركاء الدوليين على تمويل الوقاية والتأهب والتعافي المبكر إلى جانب الاستجابة الإنسانية.
خامسًا: ربط العمل الإنساني بالحد من المخاطر.
ينبغي أن تتضمن مشروعات الغذاء والإيواء والمياه والصحة تقييمًا للمخاطر المحيطة بالمستفيدين. فاختيار موقع لإيواء النازحين وتصميم المراحيض وتخزين المياه وتحديد طرق الوصول إلى الخدمات كلها قرارات قد تقلل المخاطر أو تزيدها.
كما ينبغي أن تتكامل المساعدة العاجلة مع حماية سبل العيش وتأهيل الخدمات وتعزيز قدرة الأسر على مواجهة الصدمات المقبلة.
سادسًا: توطين المعرفة والموارد والقرار.
تمتلك المجتمعات المحلية معرفة متراكمة بمواسم الأمطار ومجاري السيول ومصادر المياه والتغيرات البيئية. وينبغي إدماج هذه المعرفة مع البيانات العلمية وتدريب المتطوعين وتمكين المنظمات الوطنية من المشاركة في تصميم الخطط وتنفيذها وتقييمها.
فالمجتمع المحلي ليس مجرد مستفيد من التدخلات بل شريك أساسي في تحديد المخاطر وبناء الحلول.
سابعًا: اعتماد مؤشرات للمساءلة وقياس النتائج.
ينبغي ألا يُقاس نجاح الخطط بعدد الاجتماعات والورش وحملات التوعية وحدها بل بمؤشرات عملية مثل نسبة المناطق المعرضة للخطر التي تمتلك خططًا محدثة وعدد السكان الذين تصل إليهم التحذيرات ومدى جاهزية مراكز الإيواء وزمن الاستجابة وحجم الخسائر التي أمكن تجنبها ومدى وصول الحماية إلى الفئات الأكثر تعرضًا للخطر.
فالمراجعة الدورية والمساءلة هما ما يحولان الخطط من وثائق إلى نتائج ملموسة.
ثامنًا: دور منظمات العمل التطوعي والإنساني… من الإغاثة إلى الوقاية
في ظل الحرب واتساع الاحتياجات وتراجع الموارد لا ينبغي أن يُختزل دور منظمات العمل التطوعي والإنساني في انتظار وقوع الكارثة لتوزيع المساعدات. فهذه المنظمات تمتلك بدرجات متفاوتة شبكات مجتمعية وخبرات ميدانية وقدرة على الوصول إلى الفئات التي قد يصعب على المؤسسات الأخرى الوصول إليها.
ويمكنها الإسهام في الحد من المخاطر عبر أربعة مسارات مترابطة:
– الرصد المجتمعي: جمع المعلومات عن المخاطر المحلية وتحديد الأسر الأكثر تعرضًا لها وإيصال التحذيرات بالتنسيق مع الجهات المختصة.
– الاستعداد المسبق: تدريب المتطوعين وإعداد خطط الاستجابة وتحديد الموارد المتاحة والشركاء ومسارات الإحالة.
– الوقاية والتوعية: نشر ممارسات السلامة وحماية مصادر المياه وتقليل المخاطر الصحية والبيئية وتعزيز الاستعداد على مستوى الأسرة والحي.
– التعافي وبناء القدرة: دعم استعادة سبل العيش وتأهيل الخدمات المجتمعية وتوثيق الدروس المستفادة ومتابعة الأسر بعد انتهاء التدخلات الطارئة.
ويظل التنسيق مع السلطات المختصة ضرورة لضمان التكامل وتجنب الازدواجية مع احترام المبادئ الإنسانية وفي مقدمتها الإنسانية والحياد وعدم التحيز والاستقلالية.
كما يتطلب تعزيز دور المنظمات الوطنية الاعتراف بخبراتها وتوفير التمويل المناسب، وإشراكها في صنع القرار بدلًا من الاكتفاء بالاستعانة بها في التنفيذ الميداني.
وفي السودان يمكن أن يشكل التعاون بين المجلس القومي للدفاع المدني والجهات المعنية بالأرصاد والمياه والصحة ومفوضية العون الإنساني والسلطات الولائية والمحلية والمنظمات الوطنية والقطاع الخاص والجامعات والمجتمعات المحلية أساسًا لمنظومة أكثر قدرة على توقع المخاطر والاستجابة لها.
تاسعًا: من الخريف إلى المستقبل… كيف نكسر دورة الخسائر المتكررة؟
من المشكلات التي تستحق مواجهة صريحة تكرار دورة تبدأ بالتحذيرات مع اقتراب الأمطار ثم وقوع الأضرار ثم حصر الخسائر وتوزيع المساعدات لتنحسر الأولوية بعد انتهاء الموسم إلى أن يتكرر المشهد في العام التالي.
وكسر هذه الدورة يقتضي التعامل مع الفترة السابقة لموسم الخريف بوصفها فرصة للتدخل الوقائي والفترة التي تليه بوصفها فرصة للمراجعة والتعلم وإعادة التأهيل لا مجرد إغلاق لملف الطوارئ.
كما يتطلب التخطيط لما هو أبعد من الموسم المقبل؛ فالتغيرات المناخية والتحولات السكانية والتوسع العمراني وتدهور البيئة وتكرار النزوح عوامل تستدعي سياسات طويلة الأمد تتجاوز حدود الاستجابة السنوية.
وفي سياق التعافي وإعادة الإعمار ينبغي ألا تُعاد إقامة المنازل والمرافق والخدمات بالشروط ذاتها التي جعلتها عرضة للتضرر سابقًا. بل يجب أن تصبح إعادة البناء فرصة لتحسين معايير السلامة وتطوير البنية التحتية ومراعاة احتياجات النساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة.
إن إعادة بناء ما تهدم دون معالجة أسباب هشاشته قد تعني ببساطة إعادة إنتاج الخسائر نفسها.
ومن هنا ينبغي أن يكون الحد من مخاطر الكوارث جزءًا من التخطيط للتعافي وإعادة الإعمار في السودان لا بندًا ثانويًا يُضاف بعد اعتماد المشروعات.
خاتمة: لا نريد أن نكون أكثر مهارة في مواجهة الكوارث بل أقل تعرضًا لها
في اليوم الدولي للحد من مخاطر الكوارث لا يكفي أن نتذكر ضحايا الفيضانات والسيول والجفاف أو أن نحيّي جهود فرق الإنقاذ والمتطوعين والمنظمات الإنسانية. فالتقدير الحقيقي لهذه الجهود يبدأ بالعمل على تقليل الحاجة إليها من خلال الوقاية والتخطيط والاستعداد المبكر.
وفي السودان تزداد هذه المسؤولية إلحاحًا في ظل الحرب والنزوح وتدهور الخدمات وتراجع قدرة المجتمعات على تحمل صدمات جديدة. فالمواطن الذي فقد منزله بسبب النزاع لا ينبغي أن يُترك وحده في مواجهة مخاطر الأمطار والأسرة التي استنزفت مدخراتها في النزوح لا ينبغي أن تواجه الجفاف أو المرض دون حماية والقرية التي تتكرر فيها الفيضانات لا ينبغي أن تنتظر وقوع الأضرار نفسها في كل موسم حتى تتحرك الجهات المعنية.
إن الحد من مخاطر الكوارث ليس ترفًا تنمويًا يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الأزمات؛ بل هو جزء من حماية الأرواح وصون الكرامة الإنسانية وتقليل تكلفة التعافي وتهيئة الظروف اللازمة لاستعادة الحياة.
والسؤال الذي أضعه أمام المؤسسات الحكومية ومنظمات العمل التطوعي والإنساني والقطاع الخاص والشركاء الدوليين والمجتمعات المحلية هو:
هل نريد منظومة لا تتحرك إلا عندما تتحول المخاطر إلى مآسٍ أم منظومة تتنبأ بالخطر وتستعد له وتمنع ما يمكن منعه وتحمي الناس قبل أن يصبحوا أرقامًا في تقارير الخسائر؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ينبغي ألا تكون بيانًا بمناسبة دولية بل التزامًا عمليًا تتجسد نتائجه في الموازنات العامة وخطط المحليات وبرامج المنظمات وقرارات إعادة الإعمار وحياة الأسر في المدن والقرى ومناطق النزوح.
ففي السودان حيث تتعدد مصادر الخطر وتتضاعف كلفة التأخر لم يعد الانتقال من الاستجابة إلى الوقاية خيارًا مؤجلًا؛ بل ضرورة لحماية الأرواح واستعادة ما فُقد وبناء مستقبل أكثر أمانًا وعدالة.
فالوقاية ليست ما نفعله قبل الكارثة فحسب؛ إنها الطريقة التي نختار بها ألا نترك الناس يواجهون الكارثة وحدهم.
المراجع والمصادر
1. الأمم المتحدة، اليوم الدولي للحد من مخاطر الكوارث، الخلفية التاريخية وأهداف المناسبة:
https://www.un.org/en/observances/disaster-reduction-day
2. مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث، إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث 2015–2030 والمرجعيات الدولية ذات الصلة:
https://www.undrr.org/
3. مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث، الإنذار المبكر والعمل الاستباقي لمخاطر الفيضانات والسيول والجفاف في السودان، 15 فبراير 2023:
https://www.undrr.org/news/early-warning-and-early-action-flood-risks-torrents-and-drought-sudan-implementation-sendai
4. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية للسودان لعام 2026، أبريل 2026:
https://www.unocha.org/publications/report/sudan/sudan-humanitarian-needs-and-response-plan-2026-april-2026-enar
5. مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث، إعلان شعار اليوم الدولي للحد من مخاطر الكوارث لعام 2026: «القدرة على الصمود تبدأ من المنزل»، 21 يونيو 2026:
https://www.undrr.org/news/undrr-announces-resilience-starts-home-theme-2026-international-day-disaster-risk-reduction




