اعمدة ورأي

النور إبراهيم النوى “قبوجه ” يكتب، قبوجيات..لقوات المسلحة السودانية.. مدرسة الصمود والفداء “2” من قوةٍ مساندة إلى تمردٍ على الدولة

النور إبراهيم النوى "قبوجه " يكتب، قبوجيات..لقوات المسلحة السودانية.. مدرسة الصمود والفداء "2" من قوةٍ مساندة إلى تمردٍ على الدولة

النور إبراهيم النوى “قبوجه ” يكتب، قبوجيات..لقوات المسلحة السودانية.. مدرسة الصمود والفداء “2”

من قوةٍ مساندة إلى تمردٍ على الدولة

لا تبدأ الحروب في صباح يومٍ معين، وإنما تبدأ بخطوات صغيرة، قد لا ينتبه إليها كثيرون. تبدأ حين تختل موازين القوة، وحين يطغى الطموح على الحكمة، وحين يظن بعض الناس أن الدولة يمكن أن تُهزم، وأن تاريخها ومؤسساتها يمكن أن تُمحى بقرار متعجل أو مغامرة غير محسوبة.
ولكي نفهم ما جرى في الخامس عشر من أبريل، لا بد أن نعود سنوات إلى الوراء.
لقد تشكلت هذه القوة، كما هو معلوم، بقرار من الدولة لتؤدي مهامًا محددة وفي مناطق بعينها، بعيدًا عن العاصمة الخرطوم ومراكز اتخاذ القرار. ولم يكن لها ذلك الحضور السياسي أو العسكري داخل المدن، بل كانت تتحرك وفق تكليف معلوم وتحت مظلة الدولة.
حتى إن قائدها ذكر في إحدى المناسبات أنه كان ينتظر أيامًا طويلة حتى يحظى بلقاء رئيس الجمهورية، وهو ما يعكس طبيعة موقعه آنذاك داخل مؤسسات الدولة.
لكن الأحداث التي أعقبت الثورة السودانية قلبت كثيرًا من الموازين. فقد دخلت البلاد مرحلة انتقالية اتسمت بالتجاذبات السياسية، وتعدد مراكز التأثير، وتباين الرؤى حول مستقبل الدولة ومؤسساتها. وفي خضم تلك التعقيدات، وجدت تلك القوة نفسها في قلب المشهد، وتحول قائدها إلى أحد أبرز الفاعلين في السلطة الانتقالية، بل أصبح الرجل الثاني في مجلس السيادة.
وكانت تلك لحظة فارقة.
فبدل أن يكون ذلك الموقع مدخلًا لترسيخ الاستقرار، بدأت حسابات أخرى تتشكل، غذتها أطماع السلطة، وساعدت عليها تدخلات خارجية ورهانات داخلية لم تُقدِّر حجم المؤسسة العسكرية السودانية ولا طبيعة المجتمع السوداني.
أن بعض القوى السياسية، إلى جانب أطراف خارجية، بعثت برسائل خاطئة إلى قيادة التمرد، مفادها أن القوات المسلحة تعيش حالة ضعف وانقسام، وأن السيطرة على البلاد لن تحتاج إلا إلى عملية عسكرية خاطفة، وأن كرسي الحكم بات أقرب مما يتخيلون.
وكان الاتفاق الإطاري، وما صاحبه من خلافات حول بعض بنوده، أحد الملفات التي زادت من حدة التوتر. وكان من الممكن، في تقدير كثيرين، معالجة تلك الخلافات بالحوار والتدرج، غير أن خيار السلاح غلب على صوت العقل.
وهكذا بدأ الإعداد للمواجهة.
ازدادت الحشود داخل الخرطوم بصورة لافتة، وتحركت أرتال العربات العسكرية في شوارع العاصمة، وسيطرت المليشيا على بعض المطارات الولائية، وظهرت مؤشرات لا تخطئها العين بأن البلاد تتجه نحو مواجهة خطيرة.
ورغم ذلك، آثرت القيادة العامة للقوات المسلحة التريث، أملاً في تجنيب السودان حربًا يعلم الجميع أن ثمنها سيكون باهظًا.
لكن الطرف الآخر كان قد حسم أمره.
وفي فجر الخامس عشر من أبريل، انطلقت شرارة الحرب، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ السودان، مرحلة سيدفع فيها المواطن البسيط الثمن الأكبر، وستدخل البلاد واحدة من أعقد الأزمات التي عرفتها.
لقد اعتقد قادة التمرد أن عنصر المفاجأة وحده كفيل بإسقاط الدولة، وأن السيطرة على القيادة العامة والقصر الجمهوري والمطارات ستؤدي تلقائيًا إلى انهيار الجيش.
غير أن حسابات الميدان كانت مختلفة تمامًا.
فالجيش السوداني لم يكن مجرد تشكيلات عسكرية، بل مؤسسة متجذرة في تاريخ الوطن، تمتلك خبرة تراكمت عبر عشرات السنين، وعقيدة قتالية لا تقوم على ردود الأفعال، وإنما على الصبر والتنظيم وحسن إدارة المعركة.
وكانت تلك أولى المفاجآت التي لم يتوقعها المتمردون.
لقد دخلوا الحرب وهم يعتقدون أنها معركة ساعات، فإذا بها تتحول إلى حرب استنزاف طويلة، أعادت تعريف معنى الصمود، وكشفت أن بناء الجيوش يحتاج إلى عقود، أما التمرد فلا يحتاج إلا إلى قرار، لكنه لا يستطيع أن يصنع دولة، ولا أن يحل محل مؤسسةٍ صنعتها تضحيات أجيال متعاقبة.
وللحديث بقية…
في المقال الثالث: “يوم سقط القناع”… كيف تحولت الحرب من مواجهة عسكرية إلى حرب على المواطن السوداني، وما الذي عاشه المدنيون تحت سيطرة المليشيا، وكيف كان ذلك نقطة التحول الكبرى في موقف الشعب من المعركة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى