الصادق إسماعيل علي يكتب.. نَكٰزة : حين تعجز الحرب… تتكلم الخرائط
الصادق إسماعيل علي يكتب.. نَكٰزة : حين تعجز الحرب… تتكلم الخرائط

الصادق إسماعيل علي يكتب..
نَكٰزة : حين تعجز الحرب… تتكلم الخرائط
* يبدو أن المعركة في السودان لم تعد تدور فقط في الميدان، حيث تتقدم القوات المسلحة على محاور القتال وتضيق المساحات أمام المليشيا المتمردة وحاضنتها السياسية، وإنما انتقلت المعركة إلى ميادين أخرى أكثر هدوءاً وأقل ضجيجاً… ميادين لا يسمع فيها صوت الرصاص، لكن تُرسم فيها الخرائط وتُكتب فيها السيناريوهات.
فكلما اقتربت ساعة الحسم في الميدان، ظهرت لنا، بالمصادفة طبعاً، تحركات دبلوماسية وسياسية واقتصادية وأمنية متزامنة، وكأن هناك من ينظر إلى ساعة الحرب ثم يضبط عليها بقية الساعات!
فما الذي يحدث؟
• حراك دبلوماسي دولي وإقليمي يتحرك في أروقة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، وعلى رأسها مفوضية حقوق الإنسان، إلى جانب منظمات إقليمية تتحرك من أديس أبابا وكينيا وغيرها، وتدعمه الخماسية، بهدف فرض خارطة طريق لمستقبل الحياة السياسية في السودان.
والطريف في الأمر أن خارطة الطريق هذه يجري إعدادها بعيداً عن أهل الطريق!
أما الحكومة السودانية، فيبدو أن المطلوب منها أن تكون حاضرة بقدر ما يسمح لها بأن تبصم في نهاية المطاف على ما تم الاتفاق عليه، عبر ما يسمى بآلية الحوار السوداني السوداني، التي يبدو أن تعريف «السودانيين» فيها قد خضع هو الآخر لمراجعة دولية!
فالمشاركون معروفون سلفاً: قوى الحرية والتغيير، ومن تفرعت عنها من «قوى» وتكوينات ومسميات، تفتقت آمالهم وقويت شوكتهم وازدادت جرائتهم لما علموا بإمكانية اصدار عفو رئاسي عام عنهم عن كل جرائمهم في حق العباد والبلاد . بينما يُراد إبعاد بقية أهل السودان، وفي مقدمتهم المؤتمر الوطني، إلى جانب قوى المجتمع المدني ذات الجذور الممتدة في المجتمع السوداني، وربما حتى بعض القوى التي جاءت عبر اتفاق سلام جوبا.
وبذلك يصبح الحوار سودانياً… بشرط ألا يكون السودان كله سودانياً!
والهدف النهائي، في تقديري، ليس خافياً: هو إعادة عقارب الساعة إلى ما بعد نجاح التغيير السياسي في عام 2019م، وقبل الخطوة التصحيحية التي خطاها الفريق البرهان بإخراج الحرية والتغيير من الحكم في أكتوبر 2021م . وإعادة إنتاج المعادلة التي كانت فيها قوى الحرية والتغيير تمسك بمقاليد البلاد، في تحالف مع المكون العسكري والدعم السريع آنذاك.
أي أن ما عجزوا عن تحقيقه بالبندقية، يحاولون الآن تحقيقه بالخرائط والموائد المستديرة والمصطلحات الدبلوماسية الناعمة!
• وفي الجانب الآخر، يتحرك بعض دول الجوار.
تدخلات وتحركات عسكرية وأمنية تتزامن مع تقدم القوات المسلحة؛ من إثيوبيا في الفشقة والنيل الأزرق، إلى جنوب السودان في أبيي، فضلاً عن تكثيف التحركات القادمة من تشاد وليبيا، ولا أستبعد أن نشهد المزيد إذا استمرت الانتصارات على الأرض.
والمعادلة هنا بسيطة: افتح للقوات المسلحة أكثر من جبهة، وأشغلها عن المعركة الرئيسية، ثم حاول إبطاء تقدمها قبل الوصول إلى النهاية.
فإذا عجزت عن إيقاف الجيش في جبهة… افتح له جبهة أخرى.
وهكذا تتحول حدود السودان إلى «جدول أعمال» مفتوح!
• ثم يأتي الحصار الاقتصادي والضغط على الدولة من الداخل.
تضييق اقتصادي، وضغوط متزايدة، مع تنشيط الخلايا النائمة داخل مؤسسات الدولة، ومحاولات إحداث العجز والارتباك في بعض مفاصل الإدارة والخدمات، بما يضاعف معاناة المواطن ويخلق حالة من السخط والإحباط.
فإذا لم تنجح في إسقاط الدولة بالحرب، فلماذا لا تحاول إنهاكها بالخدمة المعدومة ؟
وإذا لم تستطع كسر إرادة المواطن بالرصاص، فربما تستطيع كسرها بطابور الخبز أو انقطاع الكهرباء أو الفساد أو تعقيد أبسط معاملات الحياة!
وهنا يصبح المواطن هو الهدف الأسهل… والأكثر وجعاً. وينفرط العقد الذي يجمع صلابة الجبهة الداخلية .
لكن القضية الأهم أن استمرار انتصارات القوات المسلحة لا يعني فقط هزيمة مليشيا متمردة، وإنما يعني سقوط مشروع أكبر يقوم على إضعاف السودان وتفكيكه إلى كيانات صغيرة، غير قادرة على الحياة منفردة: جنوباً ثم دارفور ثم الشرق… وربما لا تتوقف شهية الخرائط عند هذا الحد.
ومن هنا فإن تزامن الحراك الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي والعسكري والإقليمي، في هذا التوقيت تحديداً، يضع أمام السودانيين سؤالاً مشروعاً:
هل ما يجري مجرد حرب داخلية بين طرفين سودانيين؟
أم أن الحرب نفسها ليست إلا جزءاً من مشروع أكبر، تتعدد أدواته وتختلف واجهاته، بينما يبقى الهدف واحداً: إضعاف السودان وتفكيك دولته وإرادته وسيادته؟
فالمليشيا وحاضنتها السياسية في الداخل، وبعض المنظمات الدولية والإقليمية، وبعض دول الجوار في الخارج، قد لا تكون سوى أدوات في مشروع أكبر لا تملك جميعها بالضرورة قرارها النهائي فيه .
لكن أهل السودان، في المقابل، ليسوا بالغباء الذي يفترضه أصحاب هذه المشاريع.
لقد مر السودان بجولات سابقة من المؤامرات والضغوط ومحاولات فرض الوصاية عليه، وتجاوزها.
وهذه الجولة، مهما تنوعت أدواتها، لن تكون استثناءً.
فالمعركة بالنسبة لغالب أهل السودان لم تعد مجرد معركة على مدينة أو موقع أو محور عسكري، وإنما أصبحت معركة على شكل السودان نفسه وجوده ومستقبله.
ولهذا يلتف قطاع واسع من الشعب حول قواته المسلحة، ويرى أن الطريق إلى الاستقرار يبدأ باستكمال الانتصار على المليشيا المتمردة، ثم الانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة لا تُفرض عليه من الخارج ولا تُكتب خرائطها في العواصم الأجنبية.
والأهم من ذلك أن السودان لن يستطيع أن يدفن كل هذه الدماء ثم يستدعي من جديد الأسباب التي أراقَتها.
لن تهدر الأمة أرواح الشهداء ، ولا كرامة الذين انتهكت أعراضهم، ولا أموال الذين نهبت ممتلكاتهم، ولا مقدرات الدولة التي دمرت، ثم يُقال لها بعد كل ذلك: هيا نعيد التجربة الفاشلة من البداية!
لقد جُرّبت الوصفة… وكانت النتيجة خراباً في خراب ، ودمارا في دمار فمن يشتري ( الترماي) مجددا ، من يشتري العفن ؟؟!!
* والطريق الأقرب لاسترداد أمن السودان وسلامه الاجتماعي وحماية أرضه وسيادته هو: استكمال الانتصار، ثم إدارة فترة انتقالية آمنة، تهيئ البلاد لانتخابات حرة ونزيهة، يختار فيها السودانيون من يحكمهم.
أما إعادة تدوير التجربة السابقة بذات المفاهيم و الأسماء أو أخرى جديدة وخرائط جديدة، فذلك ليس حلاً.
ذلك ببساطة هو أن نغيّر غلاف الكارثة… ونحتفظ بالمحتوى! ونستعد للأسوأ القادم .
ودمتم.. سالمين.. آمنين.. تآمين.. لآمين.
?




