اعمدة ورأي

نساء يصنعن الاوطان بصمت.. الفقيدة فاطمة هبيلا نموذجا* *بقلم: علي محمد طاهر علام*

نساء يصنعن الاوطان بصمت.. الفقيدة فاطمة هبيلا نموذجا* *بقلم: علي محمد طاهر علام*

*نساء يصنعن الاوطان بصمت.. الفقيدة فاطمة هبيلا نموذجا*

*بقلم: علي محمد طاهر علام*

في كل مدينة أو حي أو قرية أشخاص لا تكتب أسماءهم كثيراً في الصحف، ولا تتصدر صورهم المنصات، لكنهم يتركون بصمات أعمق من كثير من المشاهير. وعندما يرحلون ندرك أننا لم نفقد فرداً فحسب، بل فقدنا صفحة كاملة من تاريخ المكان.
هكذا كان رحيل الفقيدة فاطمة هبيلا، التي انتقلت إلى جوار ربها الأسبوع الماضي بعد رحلة امتدت لأكثر من سبعة عقود، قضت معظمها في خدمة الناس والتعليم والعمل العام والعمل الطوعي.

فالحديث عن الفقيدة ليس حديثاً عن امرأة شغلت مناصب أو شاركت في لجان، بل هو حديث عن جيل كامل من النساء السودانيات اللائي أسسن مجتمعاتهن بالعمل الصامت والإرادة الصلبة، في زمن كانت فيه الفرص محدودة والتحديات كبيرة.

ولدت الفقيدة فاطمة هبيلا في بيئة لم تكن تنظر إلى تعليم البنات بالاهتمام الذي يستحقه. وبرغم تفوقها الدراسي وإحرازها المركز الأول في امتحان المرحلة الأولية عام 1960، لم تتمكن من مواصلة تعليمها بسبب ظروف المجتمع آنذاك. لكن ما عجزت عن تحقيقه لنفسها في المسيرة التعليمية، جعلته رسالة لحياتها كلها، فاختارت أن تكون نصيرة للعلم والتعليم، وأن تمنح الآخرين ما حُرمت منه.

ومن يقرأ سيرتها يدرك أنها كانت شاهدة على مراحل تأسيس ونمو منطقة الوحدة بالحاج يوسف، بل ومساهمة في كثير من محطاتها المهمة. فقد شاركت في المجلس الشعبي، وأسهمت في العمل التعاوني، وكانت جزءاً من الجهود التي أوصلت المياه إلى المنطقة، وساهمت في تنظيم السوق وخدمة المؤسسات المجتمعية المختلفة.

هذه ليست مجرد مناصب في سجل شخصي، وإنما شواهد على امرأة كانت حاضرة كلما احتاج المجتمع إلى جهد أو مبادرة أو تضحية.

غير أن أعظم ما يميز سيرتها ربما لم يكن العمل الإداري أو التنظيمي، بل إيمانها العميق بقيمة التعليم. فقد أسست روضة النصر بمقر منظمة الدعوة الاسلامية، وأسهمت في تعليم الكبار، وفتحت أبواب المعرفة أمام الكثيرين والكثيرات في وقت كانت فيه الأمية تمثل تحدياً حقيقياً للمجتمع.

ولم يتوقف عطاؤها عند حدود التعليم الأكاديمي، بل امتد إلى التربية الدينية وخدمة النساء، فحفظت الكثيرات جزء عم، وعلمتهن أحكام الطهارة، ودربتهن على غسل وتجهيز الموتى، وهي خدمة جليلة لا يتصدرها كثيرون، لكنها من أعظم صور التكافل الإنساني والاجتماعي.

لقد رحلت الحاجة فاطمة هبيلا، لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغل أبناء الوحدة والحاج يوسف ليس فقط كيف نرثيها، وإنما كيف نوثق سيرتها وسير أمثالها من الرواد الذين صنعوا تاريخ هذه المنطقة لبنة فوق لبنة.

فالأمم لا تحفظ ذاكرتها بالمباني والمنشئات وحدها، وإنما تحفظها بسير الرجال والنساء الذين خدموا مجتمعاتهم بإخلاص وتجرد.

إن الأجيال الجديدة تستحق أن تعرف أن هذه المنطقة لم تُبنَ صدفة، وأن وراء مدارسها ومؤسساتها وخدماتها ومبادراتها رجالاً ونساءً بذلوا أعمارهم من أجل الناس، وكانت الفقيدة فاطمة هبيلا واحدة من هؤلاء.

رحم الله الفقيدة فاطمة هبيلا رحمة واسعة، وجزاها عن أهلها ومجتمعها خير الجزاء، وجعل ما قدمته من علم وخدمة وإصلاح في ميزان حسناتها.

ويبقى العزاء الحقيقي أن الأجساد ترحل، أما الأثر الصالح فيبقى حياً في الناس، جيلاً بعد جيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى