اعمدة ورأي

تنوير النعمان حبيب الله —————— (بنك النيلين) السودان…..عندما لا تُنفَّذ الأحكام

تنوير النعمان حبيب الله ------------------ (بنك النيلين) السودان.....عندما لا تُنفَّذ الأحكام

تنوير
النعمان حبيب الله
——————
(بنك النيلين)
السودان…..عندما لا تُنفَّذ الأحكام
____________
ليس أخطر على الدول من غياب القوانين، بل من وجودها على الورق فقط.
وليس أبلغ في تشريح مأزق الدولة السودانية اليوم من حكم قضائي باتّ، مكتمل الأركان، صادر منذ 19 سبتمبر 2024، يقضي بالحجز على ثلاثة عشر مليارًا وخمسمائة مليون جنيه من الحساب التجميعي لقوات الدعم السريع، ثم لا يُنفَّذ… بلا سبب، وبلا تفسير، وبلا مساءلة.
القضية واضحة، والمستندات كاملة، والحكم نهائي، والتوجيه صادر من أعلى سلطة سيادية في البلاد. ومع ذلك، ما زال التنفيذ عالقًا في منطقة رمادية لا تعرف القانون ولا تحترم الدولة.
الأخطر في هذه القضية ليس فقط التأخير، بل ما بعدها.
فصاحب الحق، رجل الأعمال محمود المشرف، لم يتمسك بالمبلغ لنفسه، ولم يحوله إلى معركة نفوذ أو مكسب خاص، بل قدّم تنازلًا كاملًا عن المبلغ لصالح بنك النيلين؛ ذلك البنك الذي لا يمثل مؤسسة تجارية فحسب، بل يُعد الواجهة الاقتصادية للسودان، ونافذة تجارته الخارجية، والمراسل الأول للبنوك السودانية في العالم.
بنك النيلين ليس بنكًا عاديًا.
هو شريان سيولة، وصمام أمان للتجارة، واسم السودان حين يتعامل مع الخارج. انهياره لا يعني خسارة مؤسسة، بل خنق الاقتصاد الوطني بالكامل.
ورغم ذلك، ورغم أن الأموال ستورد مباشرة إلى حساب البنك، ورغم أن بنك السودان حدّد الحسابات المحجوزة التابعة للدعم السريع، ورغم توجيه مجلس السيادة الصريح، وموافقة النائب العام على التنفيذ… لا شيء يحدث.
وهنا، يصبح السؤال مشروعًا ومؤلمًا في آنٍ واحد:
من الذي يعطّل تنفيذ أحكام القضاء في السودان؟
ومن يملك الجرأة ليقف بين حكم محكمة وتوجيه سيادي ومصلحة وطنية مباشرة؟
عندما يتساءل محمود المشرف: «هل ما زال الجنجويد يتحكمون في مفاصل الدولة؟» فهو لا يطلق اتهامًا سياسيًا، بل يقرأ واقعًا مخيفًا:
دولة تصدر أحكامًا… لكنها لا تستطيع تنفيذها.
مؤسسات تُوجّه… لكنها لا تُطاع.
وبنك وطني يُترك للنزيف، بينما الأموال جاهزة ومعلومة المصدر والمكان.
هذه ليست قضية تجارية، ولا نزاع شركات، بل امتحان حقيقي لهيبة الدولة.
فإما أن تُنفّذ الأحكام، أو نعترف صراحة أن هناك من هو أقوى من القضاء، وأعلى من السيادة، وأخطر من الحرب نفسها.
السودان لا يُستنزف فقط بالسلاح، بل بالتواطؤ، وبالصمت، وبالتأخير “الغامض” الذي لا تفسير له إلا الفساد أو الخوف… أو كليهما.
إن إعادة هذه الأموال إلى بنك النيلين ليست منّة، بل واجب وطني عاجل.
وأي يوم تأخير هو رسالة سلبية للعالم، وللمستثمرين، وللسودانيين أنفسهم بأن الدولة ما زالت رهينة لمراكز ظلّ لم تُقتلع بعد.
والسؤال الذي لا يجب الهروب منه:
إذا كانت الدولة عاجزة عن تنفيذ حكم ضد مليشيا متمردة،
فكيف ستقنع الناس بأنها قادرة على بناء وطن؟
السودان إلى أين؟
الإجابة تبدأ من هنا… من تنفيذ حكم. فقط تنفيذ حكم.
والأخطر من ضياع المال، أن تضيع فكرة الدولة نفسها.
الدولة التي لا تُنفِّذ حكم قضائها، لا تُهزم في معركة واحدة، بل تُهزم كل يوم بصمت.
وحين يصبح تنفيذ الأحكام “قيد الانتظار”، وتتحول التوجيهات السيادية إلى أوراق بلا أثر، فهذه ليست أزمة إجراءات… بل أزمة إرادة.
السودان لا يحتاج خطابات إضافية، بل يحتاج فعلًا واحدًا بسيطًا:
أن يُنفَّذ الحكم.
لأن كل ساعة تأخير تقول شيئًا واحدًا فقط: أن هناك من لا يزال أعلى من القانون، حتى لو لم يُسمَّ، وأقوى من الدولة، حتى لو لم يظهر.
وإذا كان المال جاهزًا، والحكم صادرًا، والجهة المستفيدة بنكًا وطنيًا يمثل واجهة السودان الاقتصادية،
فإن السؤال لم يعد: لماذا لم يُنفَّذ الحكم؟
بل: إلى متى يُدار هذا البلد بمنطق التعليق والتأجيل، وكأن الزمن لا يحاسب أحدًا؟
هكذا لا تسقط الدول فجأة…
هكذا تُستنزف، بندًا بندًا، وحكمًا بعد حكم،
حتى نستيقظ يومًا فلا نجد دولة نختلف حولها، بل فراغًا كاملًا نسميه وطنًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى