اعمدة ورأي

علي محمد طاهر علام يكتب..بين “الرد المضاد” وغياب المشروع.. لماذا تعثّر الفعل السياسي في السودان؟*

علي محمد طاهر علام يكتب..بين "الرد المضاد" وغياب المشروع.. لماذا تعثّر الفعل السياسي في السودان؟*

*علي محمد طاهر علام يكتب..بين “الرد المضاد” وغياب المشروع.. لماذا تعثّر الفعل السياسي في السودان؟*

منذ سنوات طويلة، ظل المشهد السياسي السوداني يدور داخل دائرة مفرغة من الخصومات التاريخية، وردود الأفعال المتبادلة، وإعادة إنتاج المظلومية، حتى أصبحت السياسة عند كثير من الفاعلين أقرب إلى معركة سرديات منها إلى مشروع وطني يسعى لبناء الدولة وإنقاذ المجتمع.
وفي خضم الانهيارات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها البلاد، يبدو واضحا أن الأزمة السودانية لم تعد أزمة أطراف متصارعة فقط، بل أزمة غياب رؤية متكاملة تقود الناس نحو مستقبل يشبه تطلعاتهم، بدل إبقائهم أسرى للماضي ومراراته.
لا خلاف حول حجم الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت بحق السودانيين خلال العقود الماضية، ولا حول ضرورة تسمية الأشياء بأسمائها، ومحاسبة كل من تورط في القتل أو الفساد أو تخريب الدولة، أياً كان موقعه السياسي أو العسكري أو الأيديولوجي. فغياب العدالة أحد الأسباب الجوهرية التي أوصلت السودان إلى هذه المرحلة من الانفجار والانقسام.
لكن المأزق الحقيقي يبدأ حين يتحول الفعل السياسي كله إلى مجرد سباق حول سؤال: “من هو الأكثر إجرامًا؟ بينما يغيب السؤال الأهم: “كيف نُخرج البلاد من هذا الجحيم؟”
لقد أُنهك السودانيون بخطابات الإدانة المتبادلة، وباللغة التعبوية التي تُجيد تحريك الغضب أكثر من قدرتها على بناء الأمل. وتحولت السياسة، في كثير من الأحيان، إلى منصات للاتهام وتصفية الحسابات الرمزية، بدلاً من أن تكون فضاءً لإنتاج الحلول وصناعة البدائل.
المؤسف أن قطاعات واسعة من النخبة السياسية انشغلت بإدارة الخصومة أكثر من انشغالها بإدارة الأزمة نفسها. فبدل أن تتجه الجهود نحو بناء مشروع وطني يعالج جذور الانهيار، جرى استهلاك الوقت والطاقة في “الرد على الخصم”، وفي إنتاج خطاب يبرّر الذات ويُحمّل الآخر كامل المسؤولية، دون تقديم تصورات عملية لإعادة بناء الدولة والمجتمع.
والحال أن السياسة، في معناها العميق، ليست مجرد كشف للجرائم أو فضح للخصوم، بل هي القدرة على منع تكرار الكارثة، وصناعة شروط الاستقرار، وهندسة المستقبل.
فالسودانيون اليوم لا ينتظرون المزيد من الخطب الغاضبة، بقدر ما ينتظرون إجابات حقيقية عن الأسئلة التي تؤرق حياتهم اليومية:
كيف تُعاد بناء مؤسسات الدولة المنهارة؟
كيف يُفكك اقتصاد الحرب الذي يبتلع حياة الناس؟
كيف تُنزع عسكرة السياسة من المجال العام؟
كيف تُبنى عدالة انتقالية تمنع الانتقام ولا تُفلت المجرمين من المحاسبة؟
كيف يمكن الانتقال من واقع المليشيات والسلاح إلى دولة مدنية قابلة للحياة؟
وكيف يُستعاد المعنى الحقيقي للوطن بوصفه مساحة جامعة، لا ساحة صراع دائم؟
هذه الأسئلة لا تُجاب بخطاب تعبوي، ولا بمرافعات أخلاقية مجردة، مهما كانت عدالتها، بل تحتاج إلى مشروع سياسي واضح، وإرادة وطنية تتجاوز عقلية الثأر السياسي إلى عقلية البناء الوطني.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن غياب المشروع الجامع أخطر من اختلاف السرديات نفسها. فحين تغيب الرؤية، تتحول السياسة إلى إدارة للفوضى، ويتحول الوطن إلى مساحة مفتوحة للاستقطاب والتدخلات والحروب.
وما يزيد المشهد خطورة أن البلاد تدفع اليوم كلفة هائلة لهذا الفراغ السياسي: مجتمع ممزق، اقتصاد منهار، ملايين النازحين، تآكل الثقة في الدولة، وتحوّل السلاح إلى لغة يومية في إدارة الخلافات.
وفي ظل هذا الواقع، لم يعد مقبولا أن يظل الخطاب السياسي حبيس “الرد المضاد”، أو أسيرا للمظلومية التاريخية، بينما تتآكل الدولة قطعة قطعة.
السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى معارضة تجيد النقد، ولا إلى سلطة تُتقن السيطرة، بل يحتاج إلى طبقة سياسية جديدة تمتلك شجاعة الاعتراف بالأخطاء، وقدرة التفكير خارج ثنائيات الكراهية والانتقام، وتملك مشروعا حقيقيا لإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والكفاءة والمواطنة.
فالبلاد التي أنهكتها الحروب والانقسامات لا ينقذها المزيد من التحريض، بل ينقذها الوعي، والخيال السياسي الخلّاق، والقدرة على تحويل الألم الجماعي إلى مشروع نهوض.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان ليس فقط استمرار الحرب، بل استمرار العجز عن إنتاج فكرة وطنية جامعة تتجاوز منطق “من المخطئ؟” إلى سؤال “كيف ننجو جميعًا؟”
ولهذا، فإن اللحظة السودانية الراهنة تحتاج إلى صنّاع أمل أكثر من حاجتها إلى خطباء غضب، وإلى مهندسي انتقال حقيقي أكثر من حاجتها إلى محترفي الخصومة السياسية.
فالأوطان لا تُبنى بردود الأفعال… بل تُبنى بالمشروعات الكبرى، والرؤى التي تفتح للناس طريقا نحو المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى