اعمدة ورأي

تنوير النعمان حبيب الله الخرطوم تعود في الظلام وحكومتها تشعل الفواتير

تنوير النعمان حبيب الله الخرطوم تعود في الظلام وحكومتها تشعل الفواتير

تنوير
النعمان حبيب الله الخرطوم تعود في الظلام وحكومتها تشعل الفواتير
—————
في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن العودة الطوعية وتبشر الناس بالرجوع إلى الخرطوم كأنها عودة إلى الحياة نفسها يفاجأ المواطن بواقع مختلف تماما واقع يبدأ من باب منزله حين تسبقه فاتورة الكهرباء لتقول له إن هذه العودة ليست كما تُروى في التصريحات بل كما تُفرض في الجباية لأن ما حدث ليس مجرد تعديل في التعرفة بل قفزة صادمة تمت في صمت كامل دون إعلان أو تفسير وكأن الأمر لا يعني شعبا بأكمله
فالتعرفة التي كانت تبدأ بالـ100 كيلوواط الأولى ب4000 جنيه أصبحت فجأة ب7000 جنيه والـ100 الثانية ارتفعت من 5000 إلى 9000 جنيه والـ100 الثالثة قفزت من 6000 إلى 11000 جنيه وهي زيادات تقترب من الضعف في خدمة أصلا تعاني من الانقطاع وعدم الاستقرار وهذا وحده كاف ليكشف أن المواطن لم يعد يدفع مقابل خدمة بل يدفع ثمن عجز إداري كامل
لكن الصورة تصبح أكثر قسوة عندما نضع هذه الأرقام أمام الواقع الحقيقي للناس لأن المواطن الذي يُطلب منه اليوم دفع هذه الفواتير هو نفسه الذي خرج من حرب أو نزوح أو فقد مصدر دخله أو أصبح راتبه إن وجد لا يغطي احتياجات أيام قليلة وأسرة متوسطة تستهلك نحو 300 كيلوواط في الشهر ستجد نفسها مطالبة بدفع ما يقارب 27000 جنيه للكهرباء فقط دون الحديث عن الإيجار أو الغذاء أو المواصلات أو بقية أساسيات الحياة التي تضاعفت أسعارها حتى أصبح المواطن يوزع دخله بين البقاء أو الانقطاع
ثم تأتي المفارقة التي لا يمكن تبريرها أن هذه الزيادات جاءت مباشرة بعد قرارات حظر لعدد من السلع وكأن الدولة تمضي في اتجاه واحد فقط هو تضييق الخناق على المواطن في السوق وفي المنزل في نفس الوقت فلا السوق متاح ولا الخدمة مدعومة ولا حتى الحد الأدنى من الاستقرار متوفر ومع ذلك تستمر الدعوة للعودة وكأن العودة تعني شيئا آخر غير مواجهة هذا الواقع القاسي
الحقيقة التي لم تعد قابلة للتجميل أن ما يحدث ليس إدارة أزمة بل إدارة جباية وأن الحكومة اختارت الطريق الأسهل وهو تحميل المواطن تكلفة كل شيء دون أن تقدم له شيئا في المقابل لا خدمة مستقرة ولا حماية اجتماعية ولا حتى وضوح في القرار
وفي النهاية فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة ليس لماذا يتردد الناس في العودة بل كيف يمكن لمن عاد بالفعل أن يستمر في مدينة أصبحت فيها الكهرباء عبئا يزاحم لقمة العيش لأن الأوطان لا تُبنى بالفواتير ولا تُستعاد بالزيادات بل تُعاد بالعدل وهذا ما يغيب تماما عن هذه المعادلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى