اعمدة ورأي

حين يغار الجمال منّا… ويُربكنا حتى نُقدّسه ونقيّده في آنٍ واحد د.أيمن محجوب عبد الله محمد

حين يغار الجمال منّا… ويُربكنا حتى نُقدّسه ونقيّده في آنٍ واحد د.أيمن محجوب عبد الله محمد

حين يغار الجمال منّا… ويُربكنا حتى نُقدّسه ونقيّده في آنٍ واحد
د.أيمن محجوب عبد الله محمد

هناك أغانٍ تُقال… وهناك أغانٍ تُرتَّل كما لو أنها صلاة جمالٍ خفيّة، لا تُرفع إلى السماء بقدر ما تُنزلها إلى القلب. “أعلى الجمال تغار منا” ليست قصيدة غزل، بل لحظة انكشاف كوني، حيث يقف الإنسان فجأة أمام الجمال عاريًا من منطقه، مدهوشًا إلى حد أن اللغة نفسها تتلعثم.
حين يكتب إدريس جماع، لا يكتب وصفًا لمحبوبة، بل يعيد تعريف الجمال نفسه. الجمال هنا ليس صفة تُرى، بل حالة تُعاش، قوة غامضة قادرة على أن تُربك الوقار، وتُعيد ترتيب القلب من الداخل. أما حين يغنّي سيد خليفة، فإن الصوت لا يحمل الكلمات فقط، بل يفتح لها أبوابًا جديدة؛ كأن اللحن هو الامتداد الطبيعي لدهشة الشاعر.
“أعلى الجمال تغار منا…” يا لهذا المطلع الذي لا يبدأ من الأرض، بل من ذروة! كأن الشاعر لا يصف جمالًا، بل يقارنه بالمطلق، ثم يفاجئك بأن هذا الجمال نفسه… يغار. هنا تنقلب المعادلة: لم يعد العاشق هو الضعيف أمام الجمال، بل الجمال ذاته أصبح كائنًا حيًا، يشعر، يغار، ويرتجف.
“ماذا عليك إذا نظرنا…” النظرة هنا ليست فعلًا بسيطًا، بل مغامرة. كأن النظر ليس رؤية، بل اقتحام لعالمٍ محروس بالدهشة. “هي نظرة تنسى الوقار” وهنا تبلغ الجرأة ذروتها: الجمال لا يُهذّبك، بل يربكك، يسحب منك توازنك، ويتركك في حالة من النشوة التي لا تُفسَّر.
“وتسعد الروح المعنّى” كأن الروح، رغم تعبها، كانت تنتظر هذه اللحظة فقط. لحظة قصيرة، لكنها كافية لتُعيد إليها معناها. ليس الفرح هنا صاخبًا، بل عميق، هادئ، يشبه الماء حين يجد طريقه أخيرًا.
“دنياي أنتِ وفرحتي…” هنا لا يعود الحب علاقة، بل مركز كون. كل شيء يتجمع في نقطة واحدة: هي. وكأن العالم كله كان مجرد تمهيد لهذه الحقيقة البسيطة والمذهلة.
“أنتِ السماء بدت لنا… واستعصمت في البعد عنّا” يا لهذا التناقض الساحر! قريبة كسماء تُرى، بعيدة كسماء لا تُلمس. الحضور هنا ليس اقترابًا، بل إغراء بالمسافة. كأن الجمال لا يكتمل إلا حين يبقى مستحيلًا قليلًا.
“هلا رحمت متيّمًا…” هنا ينكسر الصوت قليلًا، لا ضعفًا، بل اعترافًا. العاشق لم يعد متحكمًا في نفسه، بل صار مسكونًا، مأخوذًا بعاصفة لا يملك إيقافها. “عصفت به الأشواق” والعاصفة هنا ليست خرابًا، بل خلق جديد، يعيد تشكيل القلب.
“وهفت به الذكرى…” الذكرى ليست ماضيًا، بل جناح. تحمل العاشق، تطوف به، تجعله يعيش لحظاتٍ لا تُمسك، لكنها لا تُنسى.
“هزّته منك محاسن…” الجمال هنا ليس ثابتًا، بل قوة تهز، تُحرّك، تُوقظ. وكأن الإنسان لا يعرف نفسه حقًا إلا حين يهتز.
“يا شعلة طافت خواطرنا حواليها وطفنا” هنا يبلغ النص قمته الصوفية. المحبوبة ليست جسدًا، بل شعلة. والخواطر لا تفكر فيها… بل تطوف حولها، كما لو كانت مقامًا مقدسًا.
“أنست فيك قداسة…” الجمال يتحول إلى معنى أعلى، إلى شيء يقترب من الطهارة. لم يعد مجرد إعجاب، بل خشوع. كأن الحب، في لحظته الأصفى، يصبح نوعًا من العبادة.
“ونظرت في عينيك آفاقًا وأسرارًا…” العينان هنا ليستا تفاصيل، بل عوالم. النظر فيهما ليس رؤية، بل سفر. وكلما نظرت، اكتشفت أن ما تراه أكبر مما تحتمله اللغة.
“وسمعت سحريًا يذوب صداه…” حتى الصوت يفقد مادّيته، يصبح سائلًا، يذوب، يتسلل إلى الداخل دون أن تستأذن أذنك.
“نلت السعادة في الهوى…” هنا يصل العاشق إلى ذروة التجربة. ليس لأنه امتلك، بل لأنه ذاق. السعادة ليست في الاكتمال، بل في الارتشاف.
لكن المفاجأة الكبرى تأتي في النهاية:
“وأبيت إلا أن تُشيّد للجمال الحر سجنًا” يا لها من مفارقة مذهلة! العاشق، الذي انبهر بالجمال، يحاول أن يحميه… فيقيده. كأن الإنسان، حين يحب بشدة، يخاف على الجمال من العالم، فيبني له سجنًا من الحرص… دون أن يدرك أنه يسلبه حريته.
وهنا تكمن عبقرية هذه القصيدة: أنها لا تكتفي بتمجيد الجمال، بل تكشف تناقضنا معه. نحبّه… فنحاول امتلاكه. نقدّسه… فنخاف عليه. نراه حرًّا… فنقيده بأيدينا.
وفي صوت سيد خليفة، تتحول كل هذه المعاني إلى موجة دفء، تمر عليك دون أن تقاومها، فتجد نفسك دون أن تدري تبتسم، وتتألم، وتحب… في نفس اللحظة.
“أعلى الجمال تغار منا” ليست أغنية تُغنّى… بل حالة تُصيبك. وحين تُصيبك، لا تخرج منها كما دخلت… بل تخرج أقل يقينًا، وأكثر جمالًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى