الصادق اسماعيل علي يكتب.. نكزة : في المسافة بين بيتين… ماذا يحدث للإنسان؟
الصادق اسماعيل علي يكتب.. نكزة : في المسافة بين بيتين… ماذا يحدث للإنسان؟

: الصادق اسماعيل علي يكتب.. نكزة : في المسافة بين بيتين… ماذا يحدث للإنسان؟
في البدء كانت الفاجعة…
ثم صارت حياة.
ما كان يُظن أنه لحظة عابرة من الخوف، تمدد حتى صار زمناً كاملاً يُعاش… لا يُحكى.
ثلاث سنوات أو يزيد، كفيلة بأن تغيّر شكل الأشياء كلها—وأخطرها الإنسان نفسه.
النزوح ليس انتقالاً من مكان إلى آخر…
بل اقتلاعٌ هادئ من المعنى، وإقامةٌ مؤقتة في حياة لا تشبهك.
فماذا يبقى من الإنسان… حين يطول المؤقت؟
في الشهور الأولى، كان الخوف واضحاً ومفهوماً.
أصوات، فقد، ارتباك… ثم صمت ثقيل.
لكن مع الوقت، لا يختفي الألم… بل يتبدل شكله.
يتحول من صدمة حادة إلى ضغط مزمن، يلازم الإنسان كظل لا يُرى.
تصبح الحياة سلسلة من:
قلق بلا سبب مباشر
حنين لا ينتهي
وشعور خفي بأنك خارج مكانك… حتى وأنت جالس في غرفة آمنة
كأنك تؤدي حياتك… ولا تعيشها.
داخل البيوت، التفاصيل الصغيرة تحكي القصة الأكبر.
الأب الذي كان عمود البيت…
أصبح مشغولاً بسؤال البقاء.
الأم…
لم تعد فقط ترعى، بل تحاول أن تُمسك بكل الخيوط حتى لا يتفكك كل شيء.
الأبناء…
كبروا فجأة.
ليس لأن الزمن مرّ، بل لأن الحياة دفعتهم دفعاً إلى أدوار لم يكونوا مستعدين لها ، ولم يحن أوانها بعد .
وهنا تبدأ تشققات صامتة:
كلمة لم تُقل
ضيق لا يُشرح
توتر يظهر في أبسط المواقف
البيت موجود… لكن الطمأنينة لم تعد كما كانت.وكأن الوطن حين انكسر، انكسرت معه خريطة البيت.
أما الخارج…
فلم يعد كما نعرفه.
ذلك المجتمع الذي كان:
باباً مفتوحاً
وجاراً يُسند
وامتداداً طبيعياً للأسرة
انكمش فجأة إلى علاقات محدودة، وحذر دائم.
كثيرون يعيشون اليوم في أماكن مزدحمة…
لكنهم، على نحو غريب، أكثر وحدة من أي وقت مضى.
ثم تأتي المسافة بين جيلين…
الأب يتحدث عن “الرجوع” كأنه قريب،
والابن يفكر في “البقاء” كأنه أمر واقع.
بين الاثنين…
تتشكل منطقة رمادية:
لا هي حنين كامل… ولا هي انتماء مكتمل.
هوية معلّقة…
تشبه جواز سفر بلا ختم نهائي.
ومع مرور السنوات…
لا تعود المشكلة في الحدث نفسه، بل في أثره المتراكم.
إرهاق نفسي عميق،
واقعية قاسية،
وإعادة تعريف صامتة لكل شيء:
ما هو البيت؟
ما هو الأمان؟
ومن نحن الآن؟
بعض الأسر تتعب…
لكن بعضها، بشكل لافت، يعيد ترتيب نفسه.
كأن الألم—في مفارقة غريبة—يُجبرها على التماسك أكثر.
النزوح لا يسلبك بيتك فحسب…
بل يضعك في مسافة معلّقة بين ما كنت… وما لم تصر إليه بعد.
وأقسى ما في هذه المسافة…
أنها تُدرّبك—ببطء—على التعايش مع ما لا ينبغي التعايش معه.
ومع ذلك…
يظل في الإنسان السوداني علي ما هو عليه دائما من انتماء وجداني عميق جدا للأسرة الصغيرة والممتدة ، شيءٌ لا يسهل كسره:
قدرته على ترميم نفسه،
وحماية ما تبقى من دفء أسرته،
والبحث عن معنى… حتى في حياة مؤقتة.
ربما لا نملك الآن رفاهية العودة…
لكننا نملك شيئاً أهم:
ألا نفقد أنفسنا… ونحن ننتظر.
“إلى كل أسرة فرّقتها الحرب… وما زالت تحاول أن تبقى أسرة.”
“إلى من تفرّقت بهم الطرق… وبقيت قلوبهم تحاول أن تجتمع.”
وإياك أعني وأهدي أيتها المعتقة . لعل الله يلم شتات بيتك في الدار آمنين سالمين تآمين لامين غانمين




