إقالات رئيس الوزراء … ضرورة إصلاح أم صراع مراكزقوى؟ بقلم: نوراني محمد عبدالرحمن
إقالات رئيس الوزراء … ضرورة إصلاح أم صراع مراكزقوى* ؟ بقلم: نوراني محمد عبدالرحمن

إقالات رئيس الوزراء … ضرورة إصلاح أم صراع مراكزقوى* ؟
بقلم: نوراني محمد عبدالرحمن
لم تكن قرارات دولة رئيس الوزراء د. كامل إدريس، التي صدرت في ساعة متأخرة من مساء الخميس، مجرد إجراءات إدارية عابرة داخل الجهاز التنفيذي، بل جاءت كحدث سياسي لافت أعاد تحريك المياه الراكدة في الساحة السياسية. فقد شملت القرارات حل مجالس إدارات عدد من المؤسسات الحكومية وبعض الشركات، إلى جانب إعفاءات طالت عدداً من المسؤولين والمستشارين، من بينهم وزيرة شؤون مجلس الوزراء د. لمياء، الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام تساؤلات مشروعة حول خلفيات هذه الخطوة ودلالاتها السياسية والإدارية.
فهل تمثل هذه الإقالات بداية عملية إصلاح حقيقي داخل الجهاز التنفيذي، تهدف إلى تجويد الأداء وضخ دماء جديدة في مفاصل الدولة؟ أم أنها تعبير عن صراع نفوذ ومراكز قوى ظل يتنامى داخل بعض مؤسسات الحكم خلال الفترة الماضية؟
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن الأداء التنفيذي خلال الفترة الماضية لم يكن بالمستوى الذي انتظره المواطن السوداني، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. فـ حكومة الأمل جاءت في توقيت بالغ التعقيد، حيث تواجه الدولة تحديات مركبة، في مقدمتها شح الموارد، وتداعيات الحرب، وحجم الدمار الكبير الذي طال البنيات التحتية والخدمات الأساسية بسبب اعتداءات المليشيا المتمردة. وهي تحديات تضاعف من حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الحكومة، وتفرض عليها العمل بكفاءة عالية وانسجام كامل بين مؤسساتها.
غير أن ما برز على السطح خلال الفترة الماضية هو حالة من ضعف التنسيق داخل الجهاز التنفيذي، إلى جانب حديث متزايد عن صراعات نفوذ ومراكز قوى داخل بعض المؤسسات، الأمر الذي انعكس سلباً على الأداء العام وأضعف قدرة الحكومة على الاستجابة الفاعلة لتحديات المرحلة.
ويظل التحدي الأخطر في تقديري هو ما أثير حول شبهات فساد في بعض المؤسسات، وهي قضايا تسربت إلى وسائل الإعلام وأثارت كثيراً من القلق في الرأي العام. فالمعركة ضد الفساد لا تقل أهمية عن معركة استعادة الاستقرار، بل إنها تمثل أحد الشروط الأساسية لاستعادة ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
من هنا يمكن قراءة قرارات الإعفاء والحل الأخيرة باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب البيت الداخلي للحكومة، وضبط إيقاع العمل التنفيذي، وإرسال رسالة واضحة بأن المرحلة القادمة لن تحتمل التراخي أو ضعف الأداء. غير أن نجاح هذه الخطوة لا يقاس بصدور القرارات في حد ذاتها، بل بمدى قدرتها على إحداث تحول حقيقي في أسلوب إدارة الدولة.
إن حكومة الأمل في حاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى مراجعة جادة لأدائها، وإلى ما يمكن وصفه بعملية “إعادة ضبط المصنع” على مستوى السياسات والهياكل وآليات اتخاذ القرار. فالتحديات التي تواجه السودان بعد الحرب لا يمكن التعامل معها بذات الأدوات القديمة أو بعقلية البيروقراطية التقليدية.
كما أن المرحلة تتطلب ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، وتعزيز مفهوم الحكومة الرشيدة، وإبعاد مراكز النفوذ التي تعرقل العمل المؤسسي. فالدولة لا يمكن أن تُدار بعقلية التوازنات الضيقة أو الحسابات الشخصية، وإنما بروح المسؤولية الوطنية والعمل الجماعي.
لقد دفع الشعب السوداني ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب والأزمات، وهو اليوم يتطلع إلى حكومة قوية وفاعلة، قادرة على إدارة مرحلة التعافي الوطني بروح جديدة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس الكفاءة والنزاهة والشفافية.
وعليه، فإن القرارات الأخيرة لرئيس الوزراء يمكن أن تكون بداية الطريق نحو إصلاح حقيقي، إذا ما تبعتها خطوات أعمق تعالج جذور الخلل في الأداء التنفيذي، وتؤسس لمرحلة جديدة من العمل الحكومي الجاد.
فالسودان اليوم لا يحتاج فقط إلى تغيير الأشخاص، بل إلى تغيير في منهج الإدارة، ورؤية واضحة لإدارة الدولة في مرحلة ما بعد الحرب؛ رؤية تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتمهد الطريق نحو الاستقرار والتنمية والازدهار.




