علي محمد طاهر علام يكتب.. حين يتحول التعليم إلى جباية… من يوقف النزيف؟
علي محمد طاهر علام يكتب.. حين يتحول التعليم إلى جباية… من يوقف النزيف؟

علي محمد طاهر علام يكتب.. حين يتحول التعليم إلى جباية… من يوقف النزيف؟
استبشر أولياء الأمور وأسر الطلاب خيراً بالخبر الذي تداولته الصحف حول توجيه وزارة التربية والتعليم بولاية الخرطوم بتوحيد وتخفيف الرسوم المقررة للامتحانات في جميع المحليات، وتكفّل الولاية بأعمال الطباعة والمراقبة والتأمين، في خطوة وُصفت بأنها مراعاة للظروف الاقتصادية القاسية التي تعيشها الأسر.
وأكد المدير العام للوزارة، الدكتور قريب الله محمد أحمد، أن المواطن ليس مطالبا بتحمّل تكاليف الامتحانات، باعتبار أن الطباعة والمراقبة والتأمين والنثريات مدرجة ضمن خطة الوزارة وتموَّل من الولاية، مع التشديد على الشفافية وحسم أي مخالفات دون تهاون.
قرار، في ظاهره، يحمل نية إيجابية ورسالة طمأنة، لكنه للأسف يصطدم بواقع مختلف تماماً على الأرض.
عند النزول إلى المدارس، نجد أن رسوم الامتحانات (النقلية والصفية) تجاوزت في بعض المدارسة الثانوية حاجز 20 ألف جنيه، رغم أن التكلفة الفعلية لهذه الامتحانات لا تتجاوز في أحسن الأحوال 3 آلاف جنيه.
أما الامتحان التجريبي لولاية الخرطوم، فقد بلغ في كثير من المدارس 20 ألف جنيه للطالب الواحد، في وقت تجاوزت فيه رسوم الشهادة السودانية 100 ألف جنيه في عدد كبير من المدارس.
ولا تقف المعاناة عند هذا الحد؛ إذ تُضاف إليها تكاليف استخراج شهادة الأساس أو الرقم الوطني، وهي مستندات فُقدت لدى غالبية الأسر خلال فترة الحرب، لكنها شرطاً أساسياً لإكمال إجراءات الجلوس للامتحانات.
هل يُعقل أن يدفع طالب رسوما لامتحان تجريبي تعادل ( أو تفوق ) راتب معلم لشهر كامل؟
وهل تساءل القائمون على أمر التعليم كيف يمكن لمعلم في الدرجة الخامسة، على سبيل المثال، أن يسدد رسوم الامتحانات النقلية أو الصفية أو الشهادة الثانوية لأبنائه؟
هذه ليست أسئلة عاطفية، بل أسئلة جوهرية تمس العدالة التعليمية، وتكشف اختلالا خطيراً في ترتيب الأولويات.
ما يحدث اليوم يعكس صورة شائهة لموسم جبايات يُمارس باسم التعليم، حتى تحوّل التعليم “الذي يفترض أن يكون الملاذ الآمن والأمل الأكبر في زمن الأزمات” إلى عبء إضافي يثقل كاهل ولي الأمر الذي يعاني أصلا من ضغوط اقتصادية خانقة لا تخفى على أحد.
بدل أن يكون التعليم أداة لتصحيح المسار، بات في بعض الأحيان سببا لتعميق الإحباط، ودافعا للتسرب، وشرارة لغياب العدالة بين الطلاب.
كان بالإمكان اتخاذ قرارات أشجع وأكثر عدالة، من بينها:
إلغاء الامتحانات الموحدة في جميع المراحل، والاكتفاء بامتحانات المدارس.
أو إلغاء رسوم الامتحانات بالكامل في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
أو على الأقل وضع سقف معقول صارم وملزم للرسوم، مع آلية رقابة فعالة لا تُترك للاجتهادات.
لكن ما نشهده هو العكس؛ إذ تتسارع بعض إدارات التعليم في مطالبة المدارس بتحصيل الرسوم بأقصى سرعة، تحت ذريعة تحقيق أعلى ربط للموارد، وكأن الطالب تحول إلى بند إيرادي، لا محور العملية التعليمية.
مفارقة اخلاقية
من المؤسف حقًا أن يبادر بعض المعلمين – بدافع إنساني خالص – إلى سداد رسوم الشهادة الثانوية عن طلاب معسرين حتى لا يُحرموا من حق الجلوس للامتحان، في وقت تُمارَس فيه ضغوط إدارية صارمة لتحصيل الرسوم دون أي اعتبار للظروف الاجتماعية والاقتصادية.
هذه المفارقة وحدها كافية لتكشف عمق الأزمة التي يعانيها قطاع التعليم.
نداء عاجل
السيد وزير التربية والتعليم،
والقائمون على أمر التعليم في الدولة،
أنتم مطالبون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بمراجعة هذا الملف مراجعة شاملة وعاجلة، وإصدار توجيهات واضحة وملزمة تضع حدا لهذا الانفلات، حتى لا يتحول التعليم إلى سوق آخر، ولا يصبح الامتحان بوابة للإقصاء بدل أن يكون حقاً مكفولاً للجميع.
فالتعليم ليس سلعة،
ولا الامتحان أداة جباية،
بل حق أصيل، واستثمار وطني،
وأي مساس بعدالته هو مساس بمستقبل البلاد كله.




