اعمدة ورأي

فليب عبدالمسيح يكتب.. الحقوق المدنية والدستورية للمسيحيين الوطنيين في السودان

فليب عبدالمسيح يكتب.. الحقوق المدنية والدستورية للمسيحيين الوطنيين في السودان

فليب عبدالمسيح يكتب.. الحقوق المدنية والدستورية للمسيحيين الوطنيين في السودان

أولًا: تعريف الحقوق المدنية والدستورية في المواثيق الدولية
تُعرِّف المواثيق الدولية الحقوقَ المدنية والسياسية بوصفها حقوقًا أصيلة وملازمة للإنسان، لا يجوز الانتقاص منها بسبب العِرق أو الدين أو الثقافة أو الانتماء الاجتماعي. وهي تشمل حق المشاركة في الحياة العامة، وحق التمثيل العادل، وحرية الاعتقاد، والمساواة أمام القانون، وعدم التمييز على أي أساس.
ثانيًا: الإطار القانوني للحقوق المدنية والسياسية في الدستور السوداني
ينص الدستور السوداني على ضمان الحقوق المدنية والسياسية لكافة المواطنين دون تمييز، ويؤكد مبدأ المواطنة المتساوية، والمشاركة في الشأن العام، وتكافؤ الفرص في تولي المناصب العامة. كما يُقرّ حق التمثيل العادل للمكونات الاجتماعية في مؤسسات الدولة، سواء عبر الجهاز التنفيذي أو من خلال تنظيم الخدمة المدنية.
ثالثًا: الحقوق المدنية والدستورية في الاتفاقيات السياسية – اتفاقية السلام الشامل نموذجًا
جاءت الاتفاقيات السياسية، وعلى رأسها اتفاقية السلام الشامل لعام 2005، لتؤكد مبدأ اقتسام السلطة والثروة، وتنظيم التمثيل السياسي عبر ترتيبات انتقالية تراعي التعدد الإثني والديني والثقافي. وقد أُقرت بموجبها آليات للمحاصصة السياسية في الحكومة التنفيذية، ومشاركة القوى السياسية والحركات المسلحة في إدارة الدولة.
رابعًا: الإشكالية العملية في التمثيل
بناءً على ما تقدم، فإن المواثيق الدولية والدستور السوداني والاتفاقيات السياسية جميعها تقرّ وتنظم الحق في التمثيل العادل للمكونات الاجتماعية في المناصب الدستورية والوظائف القيادية عبر جهاز الخدمة المدنية.
غير أن التطبيق العملي كشف عن اختلال واضح؛ إذ إن المحاصصات السياسية الناتجة عن الائتلافات والاتفاقيات مع القوى السياسية السودانية والحركات المسلحة كثيرًا ما قامت على خلفيات أيديولوجية ذات توجهات دينية أو عروبية، بينما اتخذت بعض الحركات المسلحة مسارات قبلية أكثر منها مناطقية. وهذا الواقع يتنافى مع جوهر القومية السودانية الجامعة، ومع مبدأ التمثيل العادل للتعدد العرقي والديني والثقافي، وهنا تكمن أصل المشكلة، حيث تغيب حقوق المسيحيين الوطنيين.
ويتجلى هذا الغياب في عدة مستويات:
إقصاء المسيحيين الوطنيين من المشاركة الفاعلة في صناعة الدستور.
ضعف أو انعدام تمثيلهم في المفاوضات مع الكيانات السياسية المعارضة أو الحركات المسلحة.
غيابهم عن مراكز اتخاذ القرار في الدولة.
خامسًا: قراءة تاريخية مختصرة
خلال فترة السودان الواحد، شكّلت الحركة الشعبية لتحرير السودان وعاءً جامعًا لمختلف المكونات الإثنية والدينية والثقافية، الأمر الذي أتاح حضورًا أوسع للمسيحيين الوطنيين في مستويات الحكم ومراكز اتخاذ القرار.
غير أنه بعد انفصال جنوب السودان، عادت المعادلات السياسية إلى أنماطها القديمة، إلى أن برز الجنرال دانيال كودي رافعًا شعار “لا للحرب ونعم للسلام”، ودخل في شراكة سياسية مع المؤتمر الوطني، الحزب الحاكم آنذاك. ومع ذلك، لم تكن مشاركة المسيحيين الوطنيين معبّرة عن حجمهم وحقوقهم في الدولة. واستمر هذا الوضع إلى أن سقط النظام، وانتقل السودان إلى مرحلة ثورة ديسمبر.
سادسًا: مرحلة الثورة وما بعدها
في ثورة ديسمبر المجيدة، ورغم مشاركة المسيحيين الوطنيين فيها وتقديمهم شهداء ومفقودين، إلا أن حقوقهم الدستورية والمدنية لم تجد التعبير العادل في ترتيبات المرحلة الانتقالية. فقد غلبت على المشهد رؤى لا تمثل سوى امتداد لعقلية الدولة العميقة، التي تتبدل أشكالها بتبدل الأزمنة. وتم اختيار تمثيل بعينه – كالمكون القبطي – بينما جرى إقصاء المكون المسيحي الوطني الأوسع، بما لا يعكس التعدد الحقيقي داخل المجتمع المسيحي السوداني.
سابعًا: في ظل حرب الكرامة
في سياق ما يُعرف بـ حرب الكرامة، تداعى السودانيون شيبًا وشبابًا، دون التفات إلى الخلفيات الإثنية أو القبلية أو الدينية، وتوحدوا تحت راية القوات المسلحة السودانية دفاعًا عن الوطن في مواجهة المليشيا المتمردة. وقد قدّم المكون المسيحي الوطني أبناءه فداءً للوطن، شأنه شأن بقية أبناء وبنات السودان الذين تقاسموا الخنادق وتسابقوا إلى الصفوف الأمامية.
ومع ذلك، لم ينعكس هذا العطاء في هرم الدولة السودانية، سواء في:
مجلس السيادة،
الحكومة التنفيذية،
أو سائر المؤسسات الدستورية.
ثامنًا: تساؤلات مشروعة
يبرز هنا عدد من الأسئلة الجوهرية:
هل هذا الغياب تغييبٌ متعمد للمكون المسيحي الوطني؟
أم أن الكنيسة الوطنية لا تمتلك كوادر بحجم الدولة ومسؤولياتها؟
أم أن الدولة ما تزال تنتهج سياسات إقصائية ضمنية، رغم خطاب المواطنة؟
أم أن تموضع السودان في معسكرات سياسية ذات توجه أيديولوجي عروبي يجعلها تتحاشى إبراز المسيحيين الوطنيين في واجهة الدولة؟
خاتمة
بعد أن عانى السودان من ويلات الانقسام وكاد أن يتمزق، لولا تماسك مؤسساته الوطنية، لا يمكن القبول بعودة السياسات الإقصائية بأي صورة كانت. إن المكون المسيحي الوطني السوداني جزء أصيل من النسيج الوطني، وعودته إلى موقع “المتفرج” لا تخدم بناء الدولة ولا تعزز استقرارها. إن دولة المواطنة الحقيقية لا تقوم إلا على الاعتراف المتكافئ بجميع مكوناتها، وتمثيلها تمثيلًا عادلًا في مؤسسات الحكم وصناعة القرار.
فليب عبدالمسيح
السودان _ بورتسودان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى