اعمدة ورأي

الصادق إسماعيل علي يكتب.. نَكًزة : الخرطوم… هل تستحق أن تُعاد سيرتها الأولى؟

الصادق إسماعيل علي يكتب.. نَكًزة : الخرطوم… هل تستحق أن تُعاد سيرتها الأولى؟

الصادق إسماعيل علي يكتب.. نَكًزة : الخرطوم… هل تستحق أن تُعاد سيرتها الأولى؟

* تمرّ الخرطوم اليوم بامتحان وجودي عسير؛ فالعاصمة التي كانت تضج بالحياة، وتشكّل قلب السودان النابض، تحوّلت بعد الحرب إلى مدينة خاوية تبحث عن معنى البقاء. السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن أن تعود الخرطوم كما كانت؟ أم أن ما تكشّف بعد النزوح كشفَ عوراتها التي طالما تجاهلناها؟
* ما إن أُخرج المتمردون من الخرطوم حتى انكشفت الحقيقة الصادمة: المدينة فقدت أكثر من 80% من سكانها. الملايين تفرّقوا بين النزوح واللجوء، بينما لا تملك حكومة الولاية أي إحصاء أو رؤية حول مصيرهم أو مواقع استقرارهم. ومع غياب الناس، غاب الاقتصاد والثقافة والإعلام والرياضة، بل انهارت أكثر من 90% من خدمات التعليم والصحة والكهرباء والمياه والاتصالات والمواصلات.
* الأخطر من ذلك أن الخرطوم كشفت لسكانها المهجّرين عن وجهها الآخر: مدينة مثقلة بالتكاليف، بائسة الخدمات، طاردة للطاقات، لا تمنح الشباب الكادحين سوى التعب مقابل اللاشيء. في دول الجوار القريبة، اكتشف هؤلاء النازحون حياة أكثر إنصافًا: خدمات متاحة، سكن إنساني، وفرص عمل عادلة. أما رجال الأعمال الذين كانوا يستثمرون في الخرطوم، فقد أدركوا متأخرًا أنهم كانوا يضعون أموالهم في المكان الخطأ، مقارنةً بما وجدوه من تسهيلات وتشجيع للاستثمار في الخارج.
* اليوم، تواجه العاصمة انهيارًا عقاريًا كاملًا. كثيرون يعرضون بيع ممتلكاتهم في الخرطوم ليستثمروا حيث استقروا، حيث تبدو البيئة أكثر أمانًا وجدوى. وفي المقابل، ما تزال حكومة الولاية تفكر بعقلية الأمس، تُثقل العائدين للعمل والإنتاج والتجارة، بجبايات لا حد لها، وتتعطّل حركة البضائع بين الولايات والعاصمة جبايات فلكية وربما خارج القانون، وضياع كبير للوقت في النقل ، في ظل غياب الرؤية وانعدام المعالجات الحقيقية. ليس على مستوى ولاية الخرطوم فحسب، بل على المستوى الاتحادي أيضا.
* ولعلّ الحكومة الاتحادية أدركت ضعف حكومة ولاية الخرطوم فعهدت إلى عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر القيام بمهام الوالي إلى جانب الوالي القائم، غير أن التحدي الأبرز الذي يواجهه ليس مجرد إعادة الخرطوم إلى سيرتها الأولى، بل الإجابة عن سؤال أكثر عمقًا: هل كانت تلك “السيرة الأولى” تستحق العودة أصلًا؟
* إن الخرطوم اليوم أمام مفترق طرق. فإما أن تُعاد إنتاجها بذات النهج العقيم لتظل مدينة طاردة وبائسة الخدمات، وإما أن تُبنى على أسس جديدة تجعلها عاصمة حقيقية تستحق العناء. أما الشعار الرائج “سنعيدها سيرتها الأولى”، فإن لم يُقترن برؤية جريئة تغيّر جوهر العاصمة لا شكلها، فالأجدر تركها كما هي الآن… فقد كان ماضيها أضعف من أن يكون حلمًا للمستقبل.
دمتم سالمين آمنين تامين لآمين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى