كيفما د. غالب محمد طه المسرح القومي: عودة الروح إلى الذاكرة السودانية
كيفما د. غالب محمد طه المسرح القومي: عودة الروح إلى الذاكرة السودانية

كيفما
د. غالب محمد طه
المسرح القومي: عودة الروح إلى الذاكرة السودانية
صمتٌ ثقيل يهبط على المكان كأن الجميع يحبس أنفاسه في اللحظة نفسها. الأضواء الخافتة ترسم ظلالًا على الوجوه، والهمسات تتراجع ببطء حتى لا يبقى سوى خشخشة خفيفة لبرنامج العرض أو حركة مقعد يبحث صاحبه عن وضع مريح. ومن خلف الستارة تتسلل أصوات مكتومة؛ خطوات سريعة، ارتطام خفيف بقطعة ديكور، همهمة ممثل يراجع جملته الأخيرة، وضحكة قصيرة يحاول صاحبها إخفاء توتره. ثم يعود الصمت مرة أخرى، صمت يعرفه رواد المسرح جيدًا، صمت اللحظة التي تسبق انفتاح العالم.
وفي قلب هذا الترقب يقف المسرح القومي السوداني، بيت العاشقين الأوائل للفن، كأنه ينهض من تحت الركام ليقول إن الخشبة لا تُهزم، وإن الضوء يعرف طريقه مهما طال الغياب.
تعود إليّ عبارة «أعطني مسرحًا أُعطك أمة وشعبًا وثقافة ووعيًا» كلما تذكرت دعوة صديقي الأستاذ جمال عبد الرحمن لحضور عرض في قاعة الصداقة. كنت برفقة أبنائي يومها، يراقبون المكان بعيون واسعة، يلتقطون تفاصيله كما لو كانوا يدخلون عالمًا جديدًا، ويطرحون أسئلتهم بعفوية صادقة: لماذا يضحك الناس فجأة؟ لماذا يسود الصمت؟ ولماذا يصفق الجميع في اللحظة نفسها؟ كانت تلك الأسئلة الصغيرة مدخلًا لفهم ما يفعله المسرح بالناس؛ فهو لا يشرح ولا يعظ، بل يضعك داخل اللحظة، يجعلك جزءًا من التجربة، ويمنحك إحساسًا نادرًا بأنك لست وحدك، وأن ما تشعر به يعيشه الآخرون معك في اللحظة نفسها.
ومنذ تلك الأمسية صارت زياراتي للمسرح القومي متكررة، تحمل شيئًا من الشغف وشيئًا من الحنين. شعرت بزهو حقيقي عندما التقيت محمد نعيم سعد؛ ذلك الزهو الذي يأتيك حين تصافح قامة مسرحية كنت تراها فقط عبر التلفاز، فإذا بها أمامك، حقيقية ودافئة وبسيطة. وهناك التقيت عددًا كبيرًا من المسرحيين الذين عرفتهم خلال عملي بالمواصفات والمقاييس، حين كانوا يشاركون في عروض توعوية موجّهة للناس بلغة قريبة ومفهومة. مرّوا أمامي واحدًا تلو الآخر كوجوه مألوفة في بيت قديم؛ جمال حسن سعيد، والدكتور فيصل أحمد سعد، وربيع طه، والراحل جعفر سعيد الذي جمع بين المعرفة والحضور، ومحمد المهدي الفادني الذي لا يترك ضجيج الخشبة أثرًا في تعامله اليومي، بل يترك أثره في هدوئه واحترامه للآخرين، وأخلاص نور الدين، وغيرهم كثير ممن تركوا بصمتهم في وجدان الناس وأسهموا في تشكيل نظرتهم لأنفسهم وللعالم من حولهم.
ويُعد المسرح القومي السوداني أحد أعمدة الذاكرة الثقافية في أم درمان، تأسس عام 1959، وبلغ ذروته في الستينيات والسبعينيات، حين أصبح منارة للفن ومقصدًا للفنانين من السودان والعالم العربي. هنا قُدمت أولى المسرحيات السودانية، واحتضن المسرح مهرجانات الإذاعة والتلفزيون، وعلى خشبته صعدت أصوات كبيرة مثل أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، لتصبح جزءًا من روح المكان. وبعد سنوات من التراجع والإنهاك شهد المسرح ولادة جديدة بإعادة افتتاحه في 20 يناير 2026، بعد جهود ترميم واسعة أعادت إليه شيئًا من هيبته القديمة.
ثلاث سنوات توقفت فيها العروض، وتوقفت معها أشياء كثيرة في حياتنا بسبب الحرب. بدا وكأن المسرح نفسه دخل في صمت طويل يشبه الصمت الذي يسبق رفع الستارة، لكنه كان صمتًا مثقلًا بالخسارات هذه المرة. وحين سمعت خبر قرب افتتاح المسرح القومي شعرت بفرح يشبه فتح نافذة بعد غياب طويل. عادت إليّ صور تلك الأمسيات التي كان فيها المسرح متنفسًا ومساحة نلتقط فيها أنفاسنا من ثقل الأيام، وأدركت أن الغياب لم يُطفئ أثره، بل جعلنا ننتبه لقيمته أكثر، كأننا نكتشف من جديد ما يعنيه أن يجلس الناس معًا في مكان واحد ليضحكوا ويصمتوا ويتأملوا في اللحظة نفسها.
اليوم يتضح أن المسرح ليس مكانًا نعود إليه بدافع الحنين فقط، بل مساحة نحتاجها لنستعيد توازننا الداخلي، مكان يجلس فيه الناس كتفًا إلى كتف، مهما تباعدت طرقهم خارج القاعة، ويضحكون حين يلامس العرض شيئًا في داخلهم، ويصمتون حين تعجز الكلمات عن اللحاق بالمشهد. وأنا سعيد بعودة المسرح القومي، سعيد بإعادته إلى الواجهة من جديد، وسعيد أكثر بتلاقي أجيال الفن السوداني، بفرحتهم وهم يلتقون ويرقصون رقصة صغيرة تحمل في خطواتها معنى أكبر من الاحتفال؛ رقصة تشبه استرداد الحياة نفسها.
عودة المسرح القومي لا تعتبر اليوم حدثًا ثقافيًا، بل لحظة تستعيد فيها الذاكرة صوتها، وتستعيد فيها الخشبة دورها القديم؛ أن تكون مكانًا تُقال فيه الأشياء التي لا تجد مكانًا آخر لتُقال فيه، في وقت تغيّرت فيه الكثير من الملامح يبقى المسرح القومي شاهدًا على أن هذا البلد، مهما تعثر، يعرف دائمًا كيف ينهض، وكيف يروي قصته دون صخب وبقوة، وبصدق يشبه صدق الضوء حين يعود بعد انقطاع طويل.




