التعامل مع السلوك العنيف لدى الأطفال وتأثير الحرب عيلهم* بقلم :مبارك مامان
التعامل مع السلوك العنيف لدى الأطفال وتأثير الحرب عيلهم* بقلم :مبارك مامان

التعامل مع السلوك العنيف لدى الأطفال
وتأثير الحرب عيلهم*
بقلم :مبارك مامان
مقدمة:
يشهد السودان واحدة من أكبر أزمات الطفولة في العالم، حيث يتعرض ملايين الأطفال لمستويات غير مسبوقة من العنف والنزوح وفقدان أفراد الأسرة وانقطاع التعليم والخدمات الأساسية. وتشير الأدلة العلمية إلى أن التعرض المستمر للأحداث الصادمة يؤثر بصورة مباشرة على نمو الدماغ والجهاز العصبي لدى الأطفال، ويزيد من احتمالية ظهور السلوكيات العدوانية والعنيفة واضطرابات الصحة النفسية.
وتؤكد المعايير الدولية لحماية الطفل أن السلوك العنيف لدى الأطفال المتأثرين بالحرب يجب أن يُفهم باعتباره استجابة تكيفية للصدمة والضغوط الشديدة، وليس مجرد مشكلة سلوكية تستوجب العقاب.
تهدف هذه المقالة إلى تقديم إطار عملي ومبني على الأدلة لفهم السلوك العنيف لدى الأطفال في السودان وتوجيه التدخلات الأسرية والمدرسية والمجتمعية بما يتوافق مع المعايير الدولية لحماية الطفل والدعم النفسي والاجتماعي.
أولاً: السياق السوداني وتأثير النزاع على الأطفال
يتعرض الأطفال خلال النزاعات المسلحة إلى مجموعة من عوامل الخطر المتراكمة تشمل:
* التعرض المباشر أو غير المباشر للعنف المسلح.
* النزوح وفقدان الاستقرار الأسري.
* فقدان أحد الوالدين أو مقدمي الرعاية.
* التجنيد والاستغلال والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
* الفقر الحاد وانعدام الأمن الغذائي.
* الانقطاع المطول عن التعليم.
* انهيار شبكات الحماية المجتمعية.
وتؤكد الدراسات في علم نفس الصدمات أن التعرض المزمن للخوف والتهديد يؤدي إلى تنشيط مستمر لاستجابة “القتال أو الهروب أو التجمّد” (Fight, Flight, Freeze Response)، مما يجعل الطفل أكثر ميلاً للاستجابة العدوانية للمواقف اليومية.
ثانياً: التفسير العلمي للسلوك العنيف لدى الأطفال
منظور علم الأعصاب النمائي
أظهرت الدراسات أن التعرض المستمر للصدمات يؤثر على:
1. اللوزة الدماغية (Amygdala)
تصبح أكثر حساسية للتهديدات، مما يجعل الطفل في حالة يقظة مفرطة واستعداد دائم للدفاع عن نفسه.
2. قشرة الفص الجبهي (Prefrontal Cortex)
وهي المنطقة المسؤولة عن:
* التحكم في الانفعالات.
* اتخاذ القرار.
* حل المشكلات.
* ضبط السلوك.
ويتأثر نمو هذه المنطقة سلباً نتيجة الضغوط المزمنة.
3. جهاز الاستجابة للضغوط
يرتفع مستوى هرمونات التوتر لفترات طويلة، ما يؤثر على التعلم والذاكرة والتنظيم الانفعالي.
وبالتالي فإن السلوك العدواني قد يكون انعكاساً مباشراً للتغيرات العصبية والنفسية الناتجة عن الصدمة.
ثالثاً: مؤشرات السلوك العنيف المرتبط بالصدمة
تشمل المؤشرات الشائعة:
السلوكيات الخارجية
* الضرب والاعتداء على الآخرين.
* التنمر.
* تدمير الممتلكات.
* نوبات الغضب الحادة.
* السلوك المتهور والخطر.
السلوكيات الداخلية المصاحبة
* القلق.
* الحزن الشديد.
* الانسحاب الاجتماعي.
* الشعور بالذنب.
* فقدان الأمل.
ويجب تجنب تفسير هذه السلوكيات على أنها سوء تربية فقط، بل ينبغي تقييمها في ضوء تجارب الطفل وخلفيته النفسية والاجتماعية.
رابعاً: المبادئ الأساسية للتعامل مع الطفل العنيف
استناداً إلى المبادئ المشتركة بين:
* الحد الأدنى لمعايير حماية الطفل في العمل الإنساني (CPMS).
* إرشادات اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات للدعم النفسي والاجتماعي (IASC Guidelines on MHPSS).
* اتفاقية حقوق الطفل.
فإن التدخلات يجب أن تستند إلى المبادئ التالية:
1. عدم التسبب بالضرر
Do No Harm
يجب أن لا تؤدي التدخلات إلى إعادة إحياء الصدمة أو زيادة الضغوط النفسية على الطفل.
2. مصلحة الطفل الفضلى
Best Interests of the Child
يجب أن تستند جميع القرارات إلى احتياجات الطفل التنموية والنفسية.
3. المشاركة
ينبغي إشراك الأطفال في التعبير عن احتياجاتهم وآرائهم بما يتناسب مع أعمارهم.
4. الحماية والكرامة
ينبغي التعامل مع الأطفال باحترام كامل ورفض جميع أشكال العقاب البدني أو الإهانة.
خامساً: التدخلات الموصى بها
على مستوى الأسرة
توفير الرعاية الامنة
تشمل:
* الاستجابة الحساسة لاحتياجات الطفل.
* تعزيز الروابط الأسرية.
* توفير روتين يومي منتظم.
* الاستماع النشط.
تنظيم المشاعر
تعليم الأطفال:
* التعرف على المشاعر.
* التعبير عنها بطريقة آمنة.
* استخدام تقنيات التهدئة الذاتية.
الحد من التعرض للعنف
* منع العقاب البدني.
* تقليل تعرض الأطفال للأخبار ومشاهد العنف.
على مستوى المدرسة
المدارس الداعمة للتعافي
ينبغي أن توفر المدارس:
* بيئة آمنة وخالية من العنف.
* أنشطة اجتماعية وترفيهية.
* برامج التعلم الاجتماعي والعاطفي.
* أنظمة إحالة للحالات المتخصصة.
الإدارة الإيجابية للسلوك
تركز على:
* التعزيز الإيجابي.
* حل المشكلات.
* إصلاح الضرر الناتج عن السلوك بدلاً من العقاب.
على مستوى المجتمع
المساحات الصديقة للطفل
تساهم في:
* استعادة الشعور بالأمان.
* تعزيز المرونة النفسية.
* تنمية المهارات الاجتماعية.
برامج الوالدية الإيجابية
أثبتت فعاليتها في:
* تقليل العنف الأسري.
* تحسين العلاقات بين الوالدين والأطفال.
* خفض السلوك العدواني.
سادساً: متى تحتاج الحالة إلى إحالة متخصصة؟
تتطلب الإحالة إلى خدمات الصحة النفسية المتخصصة عند وجود:
* سلوك عدواني شديد ومتكرر.
* استخدام أدوات أو أسلحة لإيذاء الآخرين.
* أفكار انتحارية أو إيذاء الذات.
* أعراض اضطراب مابعد للصدمة (PTSD).
* اضطرابات نفسية حادة تؤثر على الأداء اليومي.
سابعاً: بناء المرونة النفسية لدى الأطفال السودانيين
تشير الأدلة الحديثة إلى أن الأطفال قادرون على التعافي حتى بعد التعرض لأحداث شديدة القسوة عندما تتوفر عوامل الحماية التالية:
* علاقة داعمة مع مقدم رعاية بالغ.
* الشعور بالأمان.
* العودة إلى التعليم.
* الروابط الاجتماعية الإيجابية.
* فرص اللعب والتعبير والإبداع.
* المشاركة في الأنشطة المجتمعية.
وتعد هذه العوامل من أهم مكونات برامج التعافي النفسي والاجتماعي في السياقات الإنسانية.
خاتمة
إن السلوك العنيف لدى الأطفال المتأثرين بالحرب في السودان يجب أن يُفهم باعتباره أحد مظاهر الضائقة النفسية والاستجابة للصدمة، وليس مجرد انحراف سلوكي. ومن ثم فإن الاستجابة الفعالة تتطلب الانتقال من ثقافة العقاب إلى نهج قائم على الحماية والحقوق والتعافي النفسي.
إن الاستثمار في حماية الأطفال والدعم النفسي والاجتماعي والتعليم الآمن اليوم يمثل استثماراً مباشراً في السلام والتماسك الاجتماعي وبناء مستقبل افضل لأطفال السودان وللأجيال القادمة.




