عرفة خواجة تكتب.. نقطة بداية : “في دهاليز الانتظار: كابوس الجوازات ومعاناة المواطن العابر” “1”
عرفة خواجة تكتب.. نقطة بداية : "في دهاليز الانتظار: كابوس الجوازات ومعاناة المواطن العابر" "1"

عرفة خواجة تكتب.. نقطة بداية : “في دهاليز الانتظار: كابوس الجوازات ومعاناة المواطن العابر” “1”
صباح امس الثلاثاء ، حملت أوراق شقيقتي الصغرى، ومضيت أمله في أن أحصل لها على الرقم الوطني، ذلك الرقم الذي يُفترض أن يكون حقًا مكفولًا، وجدت نفسي أمام لوحة حية من الصبر المنهك. مجمع الجوازات في أم درمان لم يكن مجرد مبنى حكومي، بل كان مسرحًا لمعاناة يومية تُروى بتفاصيل مؤلمة.
صفوف لا تنتهي، وصبر ينفد
منذ اللحظة الأولى، تستقبلك صفوف بشرية طويلة، متشابكة كخيوط معقدة. وجوهٌ علتها السّآمة، وأجساد أنهكها الوقوف تحت وهج الشمس أو في زحام القاعات. المحظوظ من ينتهي من إجراءاته في يوم واحد، أما الكثيرون فيدورون في حلقة مفرغة: يوم يأتون ويوم يعودون، وأوراق تتراكم، ووقت يضيع، وكرامة تُستنزف.
وسط هذا الزحام، يعلو تذمّر خافت، ثم يعلو، تحمله همسات المواطنين الذين اجتمع ألمهم على “عدم التباطؤ” – إن جاز التعبير – في الإجراءات. لكن كيف تُبطئ ما هو أساسًا شبه متوقف؟!
نافذتان فقط.. أمام بحر من البشر!
المفارقة الأكثر إيلامًا تكمن في التفاصيل الصغيرة: شخصان فقط هما من يتوليان مهمة التصوير وإدخال البيانات لهذا العدد الهائل من المواطنين الذين يريدون الحصول على الرقم الوطني واحده للنساء وأخرى خاصة بالرجال ! تخيلوا هذه المعادلة المستحيلة:
. هذه ليست مشكلة قدرة استيعاب فحسب، بل هي إشكالية في التخطيط وفقدان تام للتنبؤ باحتياجات الناس.
الأطفال: الضحايا الأبرياء في زحام الكبار
المشهد الأكثر قسوة هو رؤية الأطفال – شريحة كبيرة من المراجعين – وسط هذا الزحام. أطفالٌ لا يفهمون لماذا يجب أن ينتظروا ساعات، بلا ماء ولا مقاعد ولا أبسط أشكال الراحة. إنهم لا يصمدون طويلاً، فالصبر فضيلة تحتاج إلى نضج، ونحن نختبرهم في امتحان قاسٍ قبل أوانهم. البيئة غير “المهيّأة” – كما يقول أحد المواطنين – لا ترحم صغيرًا ولا تكرم كبيرًا.
رسالة إلى الضمير قبل الجهات المختصة
الحديث هنا ليس عن ترفٍ أو رفاهية، بل عن حق أساسي: الحق في الخدمة بكرامة. إن معاناة المواطن اليومية أمام هذه النوافذ هي قضية وطنية بامتياز. فهي تتعلق بثقة الناس بمؤسسات دولتهم، وبمستوى احترام هذه المؤسسات لوقتهم وجهدهم وإنسانيتهم.
المواطن يطرح سؤالاً بريئًا: لماذا لا تُهيأ البيئة؟
لماذا لا تُفتح مكاتب خدمية إضافية في أوقات الذروة؟
لماذا لا يُفعّل نظام الحجز الإلكتروني لتنظيم المواعيد وتقليل الازدحام؟
لماذا لا تُوفّر أماكن انتظار منظمة ومقبولة، خاصة للأطفال وكبار السن؟
لماذا تظل الحلول الطارئة مؤبدة، والتخطيط غائبًا؟
خاتمة: الوطن يبدأ من هنا
الوطن ليس شعارات ترفع، بل هو شعور يلمسه المواطن وهو يقضي حاجته بيسر. معاناة الناس في مجمع الجوازات هي صورة مصغّرة عن تحدٍ أكبر: تحويل الخدمة العامة من عبء إلى حق.
إن تهيئة البيئة المناسبة ليست منّة من أحد، بل هي واجب أساسي. فالمواطن الذي يُستنزف وقته وطاقته أمام النوافذ، هو نفسه الذي يُفترض أن يكون شريكًا في بناء الوطن.
هل نسمع صرخته أم ستغرقها ضوضاء الانتظار الطويلة؟ السؤال معلق، والجواب مسؤولية الجميع.
—
ولنا عوده..




