اعمدة ورأي

علي تركمان يكتب.. صوت الاحرار.. الإعلام الجديد.. بين صناعة الرأي العام والتضليل المنظّم

علي تركمان يكتب.. صوت الاحرار.. الإعلام الجديد.. بين صناعة الرأي العام والتضليل المنظّم

علي تركمان يكتب.. صوت الاحرار.. الإعلام الجديد.. بين صناعة الرأي العام والتضليل المنظّم

لم يعد بالإمكان إخفاء الحقائق في عصر أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي أكثر سرعة وانتشارًا من وسائل الإعلام التقليدية. فاليوم، تُدار المعارك السياسية والفكرية عبر “السوشيال ميديا” التي تحولت من وسيلة ترفيه إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي، تصنع الرأي العام وتوجّه العقول نحو أهداف محددة.

وفي السياق السوداني، تخوض المليشيات منذ بداية الحرب حربًا إعلامية منسقة تُدار عبر غرف إلكترونية ممولة من الخارج أبرزها من جهات إماراتية، تهدف لتشويه الحقائق وبث الإحباط وسط المواطنين، وتشويه صورة الجيش والمؤسسات الوطنية. هذا الواقع يستدعي وعيًا من الدولة وصُنّاع القرار بضرورة تمويل صناعة إعلام وطني مهني قوي قادر على مواجهة هذه الحملات الممنهجة وصدّ الحرب النفسية التي تستهدف الشعب السوداني

تشير إحصاءات منصة DataReportal (2025) إلى أن أكثر من 15.6 مليون سوداني يستخدمون الإنترنت، بينهم 12 مليون مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي، فيما يتصدر فيسبوك بنسبة انتشار تبلغ 67%، يليه واتساب بنسبة 59%، مما يعكس حجم التأثير الهائل للإعلام الرقمي على المجتمع السوداني.

التأثير السياسي والذهني

في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات، بات الإعلام الجديد واقعًا لا يمكن تجاهله، إذ يستخدمه صُنّاع القرار والسياسيون لتوجيه الرأي العام وصناعة الصورة الذهنية.
ويقول مراقبون إن الحملات السياسية أصبحت تُدار إلكترونيًا عبر “غرف تلميع” تهدف إلى رفع أسهم شخصيات أو جهات معينة، وفي المقابل تُستخدم “الأصابع الإلكترونية” لتشويه الخصوم والتأثير على وعي الجمهور.

سلاح نووي بارد

يرى الدكتور ناصر السر، خبير العلاقات العامة، أن الإعلام الجديد “فاق حد الوصف في التأثير والفاعلية، وأصبح بمثابة السلاح النووي البارد حين يُستخدم بعدوانية لتدمير السمعة أو بث الشائعات.”
ويضيف: “الدول القوية فقط هي القادرة على ضبط هذه الوسائل بفضل امتلاكها للتقنيات المتقدمة والقدرات الأمنية السيبرانية.”
ويحذّر من أن “المنصات الإلكترونية أصبحت ممالك للدول العظمى تتصارع على ملكيتها لما لها من نفوذ هائل على العقول والأسواق.”

الفراغ المهني والسيولة المعلوماتية

من جانبه، أوضح الصحفي أحمد حسين أن غياب الإعلام المهني وضعف مؤسسات الرقابة فتح الباب أمام “الكتائب الإلكترونية” لفرض أجندتها الخاصة، مضيفًا أن “السوشيال ميديا أصبحت ترتب أجندة السياسة في السودان دون ضوابط، وساهمت في نشر الأخبار الكاذبة التي تهدد النسيج الاجتماعي وتؤجج النزاعات الإثنية.
ودعا حسين إلى “حوكمة مواقع التواصل الاجتماعي وتدريب الناشطين على مهارات التحقق والمساءلة الرقمية

الفضيحة الكبرى وصناعة الجماهير

أما الإعلامي محمد السماني، الخبير في شبكات التواصل، فيؤكد أن “فيسبوك وتويتر وغيرهما أصبحوا أدوات موجهة لصناعة الرأي العام، تديرها وكالات تحليل بيانات محترفة.”
وأشار إلى أن “قضية كامبريدج أناليتيكا عام 2018 كانت فضيحة عالمية كشفت عن استخدام بيانات المستخدمين في الدعاية السياسية دون موافقتهم
وأضاف السماني: “الآن هناك صفحات وحسابات في السودان تُدار باحتراف لخدمة أجندات سياسية وأمنية محددة، في وقت تسعى فيه شركة فيسبوك لاعتماد مكتب رسمي بالسودان لمتابعة الأنشطة المحلية وضبط التضليل

الحاجة إلى تشريعات رقمية

يتفق الخبراء على أن غياب القوانين الرادعة أحد أكبر التحديات في البيئة الرقمية السودانية، حيث تنتشر يوميًا مئات الأخبار المضللة دون محاسبة. وتشير تقديرات مبادرة Tech4Peace Sudan إلى أن نحو 72% من الأخبار السياسية المتداولة على المنصات السودانية خلال العام 2024 كانت مضللة أو غير موثقة، ما يجعل الحاجة إلى تشريعات لمكافحة الأخبار الزائفة ضرورة وطنية ملحّة.

وبحسب محللين، فإن تعديل قانون جرائم المعلوماتية الذي صدر مؤخرًا يُعد خطوة مهمة نحو تحسين واقع تداول الأخبار اليومية، وضبط الممارسات الرقمية، وتحقيق قدر من الحوكمة والردع القانوني في مواجهة الاستخدامات السالبة لوسائل التواصل الاجتماعي.

أداة التنوير

يبقى الإعلام الجديد سلاحًا ذا حدّين: أداة للتنوير والوعي حين يُستخدم بمهنية، وآلة للتدمير حين يقع في أيدي الجيوش الإلكترونية والمصالح الخفية.
وفي ظل غياب الحوكمة الرقمية وضعف التحقق، ستظل السوشيال ميديا تصنع الأبطال وتُسقط الرموز بكبسة زر واحدة

………..
رئيس رابطة الصحافة الإلكترونية فرعية الولاية الشمالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى