اعمدة ورأي

النعمان حبيب الله يكتب.. تنوير.. لا وساطة لمن صنع الحرب

النعمان حبيب الله يكتب.. تنوير.. لا وساطة لمن صنع الحرب

النعمان حبيب الله يكتب.. تنوير.. لا وساطة لمن صنع الحرب
——————-
حين يرفض الجيش السوداني دخول الإمارات على خط المفاوضات، فإنه لا يرفض الحوار، بل يرفض التزييف. فالحوار لا يمكن أن يُدار بأيدٍ شاركت في إشعال النار، ولا بوساطة من تقاطعت مصالحه مع من دمّر المدن وشرد الملايين.
لقد انكشف المشهد منذ وقتٍ مبكر: الدعم اللوجستي والمالي الذي وصل إلى ميليشيا الدعم السريع لم يهبط من السماء، بل خرج من مرافئ معلومة واتجاهات محددة. تقارير الأمم المتحدة ومراكز الأبحاث لم تترك مجالًا للشك في أنّ للإمارات دورًا مؤثرًا في تمويل وتسليح هذا التمرّد، عبر شركات تعمل في تجارة الذهب وعمليات النقل والإمداد. لذلك فإنّ إصرار أبوظبي على أن تكون وسيطًا هو تناقضٌ فاضح، ومحاولة لغسل اليد باليد ذاتها.
أما الولايات المتحدة، وهي التي تصر على إشراك الإمارات في كل طاولة تفاوض، فتُقدّم براغماتيتها على مبادئ العدالة. تريد أن تستثمر نفوذ الإمارات على الدعم السريع لتُقنعه بالجلوس، لكنها تتجاهل أن الطرف الذي يمسك بخيوط الميليشيا لا يمكن أن يكون ضامنًا لأي اتفاقٍ نزيه. إنه منطق الواقعية الباردة الذي يربح الوقت ويخسر الأخلاق.
الجيش السوداني في موقفه هذا لا يدافع عن كرامة مؤسسةٍ عسكرية فحسب، بل عن هيبة الدولة وسيادتها. فهو يقول بوضوح إن السودان ليس حقل تجاربٍ في أيدي الوسطاء المزيفين، ولا ساحةً لتسوياتٍ على حساب دماء شعبه. فالذي يمول الحرب لا يمكن أن يصنع السلام، والذي شجع الفوضى لا يُنتظر منه أن يرعى الاستقرار.
من حقّ الخرطوم أن تقول “لا” للإمارات، وأن تصر على أن يكون التفاوض سودانيًّا خالصًا أو برعاية أطرافٍ محايدة لا مصلحة لها في الذهب ولا في الخراب. فكل عملية سلامٍ تُدار بأيدٍ غير نزيهة، ستنتهي إلى اتفاقٍ هشّ، يُعيد إنتاج الأزمة بأسماء جديدة.
إنّ رفض الجيش السوداني لمشاركة الإمارات ليس تعنتًا كما يصوّره البعض، بل هو دفاعٌ عن الحقيقة والعدالة، وعن حقّ البلاد في أن تُحدّد مصيرها دون وصايةٍ من الذين تلطخت أيديهم بأموال الذهب ودماء الأبرياء.
وفي خضم الضغوط الدولية والمساومات الإقليمية، يبقى الموقف الأوضح والأصدق هو هذا:
لا وساطة لمن صنع الحرب، ولا حياد لمن غمس يده في النار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى