اعمدة ورأي

د.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب.. حين تصبح الأربعون رفاهية: تأملات في توقع الحياة عند الميلاد وخيبات السودانيين

د.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب.. حين تصبح الأربعون رفاهية: تأملات في توقع الحياة عند الميلاد وخيبات السودانيين

د.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب.. حين تصبح الأربعون رفاهية: تأملات في توقع الحياة عند الميلاد وخيبات السودانيين

في عالم اليوم، أصبح توقّع الحياة عند الميلاد (توقّع الحياة عند الميلاد هو متوسط عدد السنوات التي يُتوقع أن يعيشها مولود جديد) مؤشراً دقيقاً يقيس مستوى التقدّم (بمعنى آخر، هو مؤشر إحصائي يعكس جودة الحياة والصحة العامة في مجتمعٍ معين، ويُستخدم لقياس مدى رفاهية السكان وفعالية النظم الصحية والتعليمية والاجتماعية في الدولة.)، ويكشف الكثير من خبايا الرعاية الصحية، ومستوى التعليم، والعدالة الاجتماعية، وحتى مدى الاستقرار السياسي والاقتصادي. حين ننظر إلى هذا المؤشر عبر القارات، نجد تفاوتاً صارخاً بين من يحلمون ببلوغ المئة، ومن يعتبرون الأربعين سقفاً شاهقاً لأعمارهم.
نظرة إلى أرقام توقّع الحياة عبر القارات:
أوروبا: تتصدر المشهد، حيث يتجاوز توقّع الحياة 78-82 عاماً. هنا، الشيخوخة ليست نهاية، بل بداية فصل هادئ من الحياة.
أمريكا الشمالية: تقف بثقة في حدود 76-79 عاماً، رغم تحديات الأمراض المزمنة والتمييز الطبقي.
أوقيانوسيا: وخاصة أستراليا ونيوزيلندا، حيث تتراوح التوقعات بين 81-84 عاماً، بفضل منظومات صحية وتعليمية متقدمة.
آسيا: تفاوت شديد، من اليابان (أكثر من 84 سنة) إلى أفغانستان (أقل من 65 سنة)، تبعاً لمستوى التنمية.
أمريكا اللاتينية: تتراوح بين 70 إلى 77 سنة، تعكس مزيجًا من التقدّم والتحديات.
أفريقيا: أدنى التوقعات، كثير من الدول تقع بين 55 إلى 65 عاماً، والسودان ضمن هذا النطاق.
السودان… حيث تصبح الحياة قصيرة، والخلافات طويلة!
في السودان، توقّع الحياة عند الميلاد لا يتجاوز 63 عاماً. هذا يعني ببساطة أن نصف السكان لن يروا يومهم السبعين، وأن الأربعين ليست “منتصف العمر”، بل بداية العدّ التنازلي! ورغم هذا الواقع الموجع، نجد الناس غارقين في خلافات لا تنتهي: قبيلة ضد قبيلة، جهوية ضد أخرى، أيديولوجية ضد أيديولوجية، بل أحياناً شخص ضد ظله!
أربعون سنة… والناس مشغولة بالصغائر:
تأمّل هذا المشهد: رجل في الأربعين، أنهكته الحياة، فقد رفاق الطفولة، ولم يذق طعم الاستقرار. يفترض أن تكون سنواته القادمة هادئة، مملوءة بالحكمة، بالمصالحة مع الذات، لكنه بدلاً من ذلك يدخل معركة “من هو الأجدر بالزعامة؟”، أو “من خان الثورة؟”، أو “من ينتمي لأي حزب؟”أي رفاهية هذه التي تجعلنا نضيّع ما تبقّى من أعمارنا في التحزّب والتشظّي والتشاتم؟ هل ننسى أن الحياة قصيرة في السودان، أقصر مما يجب، وأقسى مما تستحق؟
من يفك شفرة هذا التناقض؟
ربما لأن الإنسان حين يُحرَم من الحقوق الأساسية: التعليم، الصحة، الأمن، والكرامة، يبدأ في البحث عن “هوية بديلة” في القبيلة، الحزب، الجهة. وربما لأن النظام السياسي لعقود طويلة درّب الناس على أن يكرهوا بعضهم، وأن يشكّكوا في نوايا بعضهم، لا أن يتعاونوا.
لكنّ الحقيقة الصادمة هي أننا في سباق مع الوقت. من يبلغ الأربعين في السودان، لا يعرف كم تبقّى له. فهل يقضيه في النواح على الخراب، أم في محاولة البناء؟ هل يُضيعه في تتبّع أخطاء الآخرين، أم في ترميم قلبه المثقوب؟
دعوة للتأمل: من يبلغ الأربعين، فليُشعل شمعة لا حرباً
حين تصل إلى الأربعين، وأنت في بلد لا يضمن لك حياة صحية أو مستقبلًا كريمًا، يصبح البقاء في حد ذاته إنجازًا. فلماذا نحول هذا الإنجاز إلى منصة صراع؟ لماذا لا تكون الأربعين محطة للسلام الداخلي؟ لماذا لا ننشغل بزراعة شيء ينمو، لا هدم شيء يهوي؟ لماذا لا نجعل أعمارنا القصيرة أعمق، لا أكثر ضجيجاً؟
الختام:
في قارات أخرى، يبلغ الناس التسعين وهم يخططون لرحلات بحرية. أما نحن، فنتنازع على قطعة خبز، أو نغرق في جدل فارغ حول من “الأحق” بالحكم. فلنتذكّر أن الحياة قصيرة، لا تستحق أن تُستنزف في التفاهة.
وأن من بلغ الأربعين في السودان، لا يحتاج إلى معركة… بل إلى معجزة. اقرأ هذا المقال مليون مرة،
ولكل مرة، تأمّل: هل أعيش حقاً… أم أُستهلك؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى