بشارة جمعة أرور يكتب.. فرصة التعويض الأخيرة والخيار المصيري قراءة استراتيجية لومضات سياسية متباينة
بشارة جمعة أرور يكتب.. فرصة التعويض الأخيرة والخيار المصيري قراءة استراتيجية لومضات سياسية متباينة

بشارة جمعة أرور يكتب..
فرصة التعويض الأخيرة والخيار المصيري
قراءة استراتيجية لومضات سياسية متباينة
“يتسع نطاق القلق الشعبي بفعل استمرار الحرب وتداعياتها السياسية والاقتصادية والإنسانية وتتصاعد فيها التحديات وتزداد معها غموض المشهد في ظل حالة من الترقب وعدم اليقين بشأن مآلات المرحلة وتشابك رهانات الداخل مع تعقيدات الإقليم وتحولات الساحة الدولية.”
التحولات الكبرى عند الأزمات تتحول إلى اختبارات حقيقية لقدرة الدول على قراءة المشهد قبل أن تُغلق نوافذ المعالجة الأخيرة.
وفي لحظات التحولات الكبرى لا تُقاس الأوطان بحجم الضجيج السياسي ولا بكثرة الشعارات أو الاجتماعات الكثيرة وإنما تُقاس بقدرتها على قراءة اللحظة التاريخية الحاسمة قبل أن تنغلق نوافذها الأخيرة. فالبلاد اليوم تقف أمام مفترق طرق بالغ الحساسية حيث تتقاطع فيه رهانات الداخل مع حسابات الإقليم وتعقيدات المشهد الدولي بينما تتسارع المتغيرات بصورة تجعل عامل الزمن أكثر خطورة من أي تهديد آخر.
وفي خضم هذا المشهد المعقد تتزايد تطلعات المواطنين إلى الاستقرار وإنهاء الحرب اللعينة وتداعياتها وحالة المعاناة والاضطرابات الممتدة غير أن الواقع لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة تتداخل فيها مؤشرات الانفراج مع مخاطر التصعيد لتبقى الساحة السياسية في حالة توتر دائم وحذر.
ولعل أخطر ما يواجه الدولة في هذه المرحلة ليس اتساع دائرة الأزمة فحسب وإنما تضاؤل هامش المناورة وانكماش الفرص والخيارات المتاحة في وقت باتت فيه كلفة الانتظار أعلى من كلفة القرار الساسي نفسه. فالتجارب أثبتت وتُثبت أن الدول التي تُهدر فرص المعالجة في بدايات الأزمات المتراكمة وتداعيات الحرب والقتال وإفرازاتها بسبب غباء سياسيؤاها وقيادتها المتكلسة، ستجد نفسها لاحقاً أمام استحقاقات قاسية لن تُدار بالإرادة الوطنية وحدها بل ستُفرض عليها تحت ضغط الوقائع والتوازنات…
ومعلوم أن الساحة السياسية أصبحت أشبه بميدان سباق خيل مفتوح على مختلف الاحتمالات وصحيح أن التصريحات المتبادلة والتحركات الدبلوماسية واللقاءات غير المعلنة…، جميعها تعكس وجود حراك سياسي مستمر إلا أن هذا الحراك لم يصل بعد إلى مستوى التوافق الحقيقي القادر على تأسيس مرحلة جديدة أكثر استقراراً ووضوحاً في الرؤية الوطنية.
إن ما يجري الآن لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تجاذب سياسي أو تغابن أو خلافات مرحلية يمكن احتواؤها بالوسائل التقليدية بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة والنخب والقوى الفاعلة على الانتقال من مربع الحسابات الضيقة إلى أفق المسؤولية الوطنية الشاملة فالتجارب في ظروف الأزمات الكبرى لا تمنح الفرص إلى ما لا نهاية والتاريخ خير شاهد على خيبات من ينتظر المترددين…،وفي ظل هذا الواقع المتشابك المتداخل الأبعاد ولحظات المخاض السياسي المعقد تبدو الأزمة السودانية أعمق من كونها مجرد حرب ومواجهات عسكرية ظرفية وخلافات سياسية عابرة إذ ترتبط بجملةٍ من الملفات المتراكمة والتحديات المعقدة التي تتطلب قدراً عالياً من الحكمة والواقعية كما أن استمرار حالة الاستقطاب الحاد وتفاقم الانقسامات الداخلية يزيد من تعقيد مسار الوصول إلى حلول ناجعة ومستدامة خاصةً في ظل تراجع مستويات الثقة بين الأطراف المختلفة.
ومع ذلك لا يمكن تجاهل بعض المؤشرات الإيجابية التي توحي بإمكانية حدوث انفراجٍ نسبي عبر التهدئة الإعلامية أو تنامي الدعوات للحوار أو اتساع الإدراك بخطورة استمرار الحرب والأزمة السياسية على الدولة والمجتمع معاً.
فقد بات واضحاً أن كلفة الصراع أصبحت أكبر من احتمالات المكاسب والمطامع السياسية الضيقة وأن البلاد لم تعد تحتمل مزيداً من الإنهاك والتشظي.
لذا تبدو المرحلة الراهنة وكأنها تمثل فرصة التعويض الأخيرة قبل الدخول في مسارات أكثر تعقيداً وأشد كلفة على الجميع إذ ما تزال هناك نافذة ومخرج وإن كانت تضيق بسرعة، ولكن يمكن عبرها إعادة ترتيب الأولويات وإعادة بناء الحد الأدنى من التوافق الوطني ووقف الانحدار نحو سيناريوهات الاستنزاف المفتوح التي لا تُنتج غالباً سوى المزيد من التشظي والإنهاك والانقسام.
غير أن هذه الفرصة نفسها ترتبط بخيار مصيري لا يحتمل التأجيل ولا يقبل أنصاف الحلول؛ فإما تغليب منطق الدولة والمصلحة الوطنية العليا على الرهانات الخاسرة والمصالح الضيقة وإما استمرار حالة الانسداد بما قد يفتح الباب أمام تحولات أعمق وأخطر قد تعيد تشكيل المشهد بصورة مختلفة تماماً عما هو قائم…، كما أن هذه المؤشرات الإيجابية تظل محفوفة بالمخاطر لأن أي تعثر في مسارات التفاهم أو غياب التوافق السياسي قد يعيد الأمور إلى نقطة الصفر وربما إلى واقع أكثر تعقيداً. ولهذا فإن المرحلة الحالية تتطلب خطاباً وطنياً مسؤولاً يقدم مصلحة البلاد على الحسابات الضيقة ويعمل على بناء جسور الثقة بدلاً من توسيع دوائر الخصومة والتغابن.
إن القراءة المتأنية للمشهد تكشف بوضوح أن ميزان القوى الإقليمي والدولي لم يعد يتعامل مع الأزمات الممتدة بعقلية الانتظار الطويل بل بات أكثر ميلاً لدفع الملفات نحو ترتيبات جديدة تُبنى على موازين الواقع لا على الأمنيات…، ولذلك فإن أي تأخير إضافي في إنتاج معالجاتٍ جادة وفعالة قد يفقد الجميع القدرة على التأثير في شكل التسوية القادمة أو طبيعة التحولات المحتملة.
وفي تقديري فإن الحكمة السياسية في مثل هذه المرحلة الحرجة ومنعطفاتها المفصلية تكمن في ترسيخ منطق يوازن بين الحق والعدالة من أجل منع الخسارة الشاملة وحماية ما تبقى من تماسك الدولة والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الوطني الذي يمكن البناء عليه مستقبلاً.
السودان اليوم أمام لحظة فارقة تختبر وعي الجميع وتفرض على القوى السياسية والنخب الوطنية أن تُدرك أن الأوطان لا تُدار بردود الأفعال ولا بالمكاسب المؤقتة وإنما بـالرؤية الوطنية العميقة والاستراتيجية والقدرة على استيعاب التحولات قبل أن تتحول إلى حقائق نهائية يصعب تغييرها.
ولهذا قد تكون هذه بالفعل فرصة التعويض الأخيرة والخيار المصيري الذي ستُبنى عليه ملامح المرحلة القادمة بكل ما تحمله من احتمالات مفتوحة على الانفراج أو التصعيد وعليه فإن الواجب الوطني يفرض على الجميع العمل على أن تنتصر الحكمة السياسية والإرادة الوطنية في نهاية المطاف على التدخلات الخارجية التي إذا استمرت فإنها ستقود البلاد إلى مرحلة أكثر تعقيداً واتساعاً يصعب احتواء تداعياتها أو السيطرة على مآلاتها.
لقد باتت التسوية السياسية التاريخية ضرورةً وطنيةً ملحّةً وحتمية لا تحتمل التأجيل




