اعمدة ورأي

السفارة السودانية بالرياض: ثكنة عسكرية تذل كبار العلماء!

السفارة السودانية بالرياض: ثكنة عسكرية تذل كبار العلماء!

السفارة السودانية بالرياض: ثكنة عسكرية تذل كبار العلماء!

دأيمن محجوب عبد الله محمد

شهدت أروقة السفارة السودانية بالرياض مشهداً يندى له جبين الإنسانية، ويُحرق قلب الكرامة بجمر الإهانة. في لحظة قاسية، دخل مجموعة من المواطنين، لم يكونوا راغبين في منافع أو متطفلين على خدمة، بل كانوا رجال علم وقيمة. بينهم معلمون محترمون أمضوا سنين العمر في بناء العقول، وبينهم بروفيسورات في تخصصات دقيقة، يحملون معرفتهم كوديعة وطنية ثمينة. جاءوا يطلبون تجاوزاً إنسانياً لظروف خاصة، فلم يكن معهم ذلك الورق الصغير الذي يمنح صاحبه حق الدخول والاستمتاع بالخدمات داخل السفارة. وما إن دخلوا حتى استقبلتهم عاصفة من الصراخ والتحقير، تكسرت على صخرة نظام بيروقراطي متجمد. لكن القسوة الحقيقية كانت في مصدر هذه العاصفة: رجل يرتدي التكبر والصلف جلباباً ويحمل رتبة “جنرال”، ويجلس على كرسي مدير الجوازات.
لم يكن الأمر مجرد رفض لطلب خارج النظم، فالقانون له سياج. لقد كَانَ مَشْهَدَاً لِتَجَسِيدِ ثَقَافَةِ الْاسْتِعْلَاءِ الْمُمِيتَةِ. ثَقَافَةٍ تَرَى فِي الْمُدَنِيِّ الْعَزِيزِ جُسَيْماً بِلَا قِيمَةٍ، وَفِي حَامِلِ الْعِلْمِ رَقْماً فِي طَابُورٍ طَوِيلٍ، وَفِي رَجُلِ الْكِبَرِ عِبْئاً عَلَى وَقْتِ الْمُوَظَّفِ الْعَسْكَرِيِّ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ عَالٍ وَهِيَاجٍ غَيْرِ طَبِيعِيٍّ، حَتَّى لَيَخِيلُ لِلْحَاضِرِ أَنَّ حَدِيثَ الْمُسَدَّسِ وَالرَّصَاصَةِ لَيْسَ بِبَعِيدٍ عَنْ هَذَا الْمُنْاخِ الْمُتَوَتِّرِ.
أيها الجنرال جالساً وراء مكتبك، هؤلاء الذين تصرخ في وجوههم ليسوا مجندين تحت أمرك حتى تتعامل معهم بهذه الفظاظة. إنهم سادة هذه الأرض، وهم من يملأ خزائن الدولة التي تدفع منها راتبك، وهم من أسسوا لهذا البلد بعقولهم وضمائرهم قبل أن تولى أنت هذا المنصب. هل تدرك ما تعنيه كلمة “بروفيسور”؟ هل تفهم حجم العقل والقيمة الوطنية التي وقفت أمامك واستحقت منك كل هذا التحقير؟
إِنَّهُ الْمَذَلَّةُ بِأَبْشَعِ صُوَرِهَا أَنْ تَشْعُرَ كَمُواطِنٍ سُودَانِيٍّ أَنَّكَ غَرِيبٌ فِي مَكَانٍ مُخَصَّصٍ لِحِمَايَةِ حُقُوقِكَ. أَنْ تَرَى وَجْهَ الْوُجُوهِ الْغَاضِبَةِ الْمُتَسَلِّطَةِ تَتَحَوَّلُ إِلَى وُجُوهِ نُمُورٍ جَائِعَةٍ كَأَنَّما تَنْتَظِرُ فَرِيسَةً سَهْلَةً، وَالْفَرِيسَةُ هِيَ حَقُّ الْمُواطِنِ الْبَسِيطِ فِي الِاسْتِفْسَارِ وَالْمُعَامَلَةِ الْكَرِيمَةِ. كَفَى اسْتِهْتَاراً بِالنَّاسِ! كَفَى انْتِهَاكاً لِحُرْمَةِ الْكِبَرِ وَقَدَارِ الْعِلْمِ! لَسْنَا فِي ثَكَنَاتٍ عَسْكَرِيَّةٍ، وَلَسْنَا أَمَامَ مَحْكَمَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ، نَحْنُ فِي سِّفَارَةٍ تَمْثِلُ وَطَنَنَا وَيَنْبَغِي أَنْ تَمْثِلَ أَفْضَلَ مَا فِينَا.
إلى سادة القرار في السفارة السودانية بالرياض، وإلى المسؤولين في وزارة الخارجية بالخرطوم، أين أنتم من مسؤولياتكم؟ أين الرقابة والمحاسبة؟ هل يليق ببلد عريق مثل السودان أن تتحول سفاراته إلى حصون من العزلة والجفاء، حيث ينقلب المواطن من طالب حق إلى عدو مفترض، وتتحول الخدمة المفترضة إلى امتحان طاعة عمياء وذل مقنّع؟
إن هذا الحادث لا يسجل مجرد خطأ إداري، بل هو وصمة عار لا تمحى. عار لا يقع على كاهل المواطنين الأبرياء الذين ذاقوا مرارة الإهانة فحسب، بل هو عار يلطخ جبين الوطن بأكمله، ويُسقط هيبة الدولة في المحافل الدولية. كيف تطلبون من المجتمع الدولي دعم قضاياكم والوقوف إلى جانبكم، بينما تقفون أنتم عاجزين عن حماية كرامة مواطنيكم في أبسط أمورهم داخل ممثلياتكم؟ أليس هذا تناقضاً صارخاً يفضح كل الشعارات؟ إن استمرار الصمت تجاه مثل هذه التصرفات هو إقرار بها، وهو مشاركة في جريمة إهانة الشعب السوداني.
إن مطالبنا اليوم ليست كلمات تقال، بل هي خطوط حمراء لن نتجاوزها. نضعها أمام من يعنيهم الأمر كواجب لا يمكن التهرب منه:
نطالب أولاً باعتذار علني ورسمي، يعلن في وضوح لا لبس فيه، ويكون لائقاً بحجم الإهانة التي تعرض لها رموز الأمة من معلمين وعلماء، ويكفي غليل الكرامة التي نزفت في أروقة السفارة.
ونطالب ثانياً بمحاسبة فورية وعادلة، فالفعل الذي حدث ليس هفوة عابرة، بل هو جرم واضح. وفي أي دولة تحترم مواطنيها وتقيم وزناً لكرامتهم، لكان مصير من يقترف مثل هذا الفعل هو الفصل المباشر وتقديمه للمساءلة القانونية.
وأخيراً وليس آخراً، نطالب بإصلاح شامل وجذري لآليات العمل والأجواء السائدة داخل السفارة. فالمواطن السوداني لم يعد يتحمل رؤية ممثلي بلاده وهم يتقمصون دور الحرس الشخصي للباب، بل يريد موظفين دبلوماسيين حقيقيين، يدركون أن سمو المنصب يأتي من سمو الخدمة، وأن العظمة الحقيقية تتحقق في رضا المراجعين وليس في إذلالهم وإرهابهم.
لقد صبر الناس طويلاً، وغضوا الطرف عن الجفاء والاستهتار، لكن كأس الصبر قد طفح. إن هذه اللحظة التاريخية، التي سجلها غضب صادق وألم حقيقي، لن تكون مجرد حادثة عابرة تُنسى. إنها ناقوس يدق معلناً بدء عصر جديد. عصر لن نقبل فيه أن تُستباح كرامتنا، أو أن تُقايض بحجز موعد أو بتصريح ورقي. نحن شعب السودان أحرار، وحريتنا تنبع من كرامتنا التي لا تُمس. لقد استفاق الوعي، وها هي الكرامة تنهض لتأخذ حقها المسلوب. فليستعد كل من تخيل أن المكتب سترة له، وأن المنصب درع يحميه، فإن صيحة الكرامة ستعلو فوق كل صوت، وزمن الصمت والخنوع قد ولى إلى غير رجعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى