عرفه خواجه تكتب..نقطة:بداية ..حين انتصر الدفاع المدني على الركام
عرفه خواجه تكتب..نقطة:بداية ..حين انتصر الدفاع المدني على الركام

عرفه خواجه تكتب..نقطة:بداية ..حين انتصر الدفاع المدني على الركام!!
هناك لحظات في تاريخ الأمم لا يقاس فيها الانتصار بحجم ما تحقق، بل بحجم ما كان يمكن أن يُفقد. وفي صبيحة هذا اليوم، وقفت قوات الدفاع المدني السوداني على أرض كانت قبل خمسة عشر شهراً مجرد ذكرى مؤلمة، لترفع راية الحياة من قلب الدمار، وتُعلن للعالم أن المؤسسات الوطنية لا تُكسر، وأن إرادة الرجال أقوى من كل محاولات المحو والإلغاء.
المشهد لم يكن مجرد احتفال بتدشين مبنى، ولا مجرد إعلان عن طائرة مروحية جديدة. كان أشبه بمرثية تُقلب لتصبح نشيداً، وحزن يُعاد صياغته ليصبح فخراً. في رئاسة الدفاع المدني، حيث كانت الجدران قبل أشهر تئن تحت وطأة التدمير، عادت اليوم أصوات الضباط والجنود تملأ الأروقة، وعادت “صافات 02” لتُحلّق في سماء تحاول أن تُنسيها جراحها.
ماذا يعني أن يُبعث المبنى من جديد؟
في كلمة وزير الداخلية الفريق شرطة حقوقي بابكر سمرة، لم تكن العبارات مجرد تصريحات بروتوكولية. كان يقول إن إعادة تدشين المباني والطائرة “يدل على قوة الإرادة وعزيمة الرجال في استمرار مسيرة المؤسسات الوطنية”. وهذا بالضبط ما تحقق. فالحديث عن “استعادة مؤسسة” ليس حديثاً عن جدران وحجارة، بل عن ذاكرة وطنية أُريد لها أن تُمحى، وعن قدرة دولة على أن تقف على قدميها مرة أخرى.
حين استعاد سمرة ذكريات ما قبل 15 شهراً، حين كان منظر المباني “مختلفاً تماماً”، وحين كان “البعض يرى استعادتها أمراً مستحيلاً”، كان يتحدث بلغة من عاش التجربة لا من قرأ عنها. والعبارة الأصدق في كلمته لم تكن عن الإنجاز، بل عن الطريق: “لازال المشوار طويلاً”. وهذه هي الحقيقة التي يجب أن تُقال: ما تحقق اليوم ليس نهاية المطاف، بل بدايته.
الدفاع المدني الذي لا يعرفه كثيرون
في خضم الحرب، اعتاد الناس على رؤية المقاتلين في الخطوط الأمامية. لكن قلة هم من انتبهوا إلى أولئك الذين يعملون في صمت، يُطفئون الحرائق، ينتشلون الجثامين، يُزيلون المتفجرات، ويُؤمّنون النازحين. الفريق عثمان عطا مصطفى، مدير عام قوات الدفاع المدني والأمين العام للمجلس القومي للدفاع المدني، لخّص هذا الدور حين قال إن “معركة الكرامة أثبتت أن الدفاع المدني مؤسسة وطنية تتجاوز مهام الإطفاء والإنقاذ التقليدية”.
هذه ليست مبالغة. في كل حرب، هناك من يحمل السلاح، وهناك من يحمل الحياة. والدفاع المدني كان دائماً في الفئة الثانية. لقد أسندوا القوات المسلحة براً وبحراً وجواً، وتدخلوا في الحرائق، ونقلوا الجثامين وستروها، وأزالوا مخلفات الحرب، وأووا النازحين، وأسندوا وزارة الصحة في مكافحة الأمراض. هذا ليس عملاً عادياً، بل هو ضرب من البطولة الصامتة التي لا تبحث عن الأضواء.
من الحطام إلى التكنولوجيا
لكن الحديث عن الماضي وحده لا يكفي. ما يُميز هذا اليوم هو أن الدفاع المدني لا يكتفي باستعادة ما فُقد، بل يتطلع إلى ما هو أبعد. فالقدرات الجديدة التي أعلن عنها عثمان عطا ليست مجرد تعويض عن خسائر، بل هي قفزة نوعية: طائرة مروحية للبحث والإنقاذ والإطفاء والإسعاف، أجهزة فحص المباني، منظومات إنذار مبكر في مجال الأمن النووي والإشعاعي.
ولعل الأهم في هذه الإنجازات هو البُعد الدولي. فالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والمنظمة الدولية للحماية المدنية، وتدريب 180 دارساً في دورات خارجية دون تكلفة على الحكومة السودانية، يكشف أن الدفاع المدني لم يعد مؤسسة محلية فقط، بل أصبح جزءاً من منظومة دولية لحماية الإنسان. وهذا في حد ذاته رسالة بأن السودان، رغم الجراح، لا يزال قادراً على أن يكون شريكاً فاعلاً في حماية البشرية.
رسالة إلى من يعنيهم الأمر
في نهاية كلمته، عاهد الفريق عثمان عطا الله والوطن أن تظل قوات الدفاع المدني “درعاً للحياة ويداً للإطفاء والإنقاذ والإسعاف وعيناً ترصد الخطر ورجالاً لا يتأخرون عن أداء الواجب”. هذه ليست عبارة ختامية لخطاب، بل هي تعهد يُلخص فلسفة مؤسسة كاملة.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يدرك السودانيون قيمة هذه المؤسسة؟ هل يعرفون أن هناك من يسهر على أرواحهم، لا بالسلاح، بل بالخرطوم والمعدات وأجهزة الإنذار؟ ربما لا. وربما يكون هذا هو الوقت المناسب لنتذكر أن الدفاع المدني ليس رفاهية، بل هو خط الدفاع الأخير عن الحياة نفسها.
خاتمة: من يُعيد بناء الإنسان؟
المباني يمكن أن تُبنى، والطائرات يمكن أن تُشترى، والمعدات يمكن أن تُستورد. لكن ما لا يمكن شراؤه هو إرادة الرجال الذين قرروا أن يقفوا مرة أخرى بعد أن حاولت الحرب أن تُسقطهم. ما رأيناه اليوم ليس مجرد تدشين، بل هو إعلان بأن السودان، رغم كل شيء، لا يزال يملك من يُدافع عن الحياة.
وإذا كان هناك من يستحق أن نُسميه “جيش الحياة”، فهو بلا شك قوات الدفاع المدني. رجال يعملون في صمت، ويستحقون أن يُسمع صوتهم. اليوم، رفعوا راية الحياة من قلب الدمار. والسؤال: هل سنرفعها معهم؟
–




