فليب عبدالمسيح يكتب.. حليمة رجعت لعاداتها القديمة… قراءة في مسار الأزمة السودانية وتحديات العدالة الوطنية
فليب عبدالمسيح يكتب.. حليمة رجعت لعاداتها القديمة… قراءة في مسار الأزمة السودانية وتحديات العدالة الوطنية

فليب عبدالمسيح يكتب.. حليمة رجعت لعاداتها القديمة…
قراءة في مسار الأزمة السودانية وتحديات العدالة الوطنية
نكتب اليوم ويعتصرنا الألم لما آلت إليه أوضاع البلاد، من شرخٍ عميق في النسيج الاجتماعي، نتيجة تصاعد خطاب العنصرية وبث روح الكراهية بين المكونات الاجتماعية والثقافية والسياسية. وقد برزت أصواتٌ نشاز، خاصة من بعض المنتمين إلى الشمال النيلي، دون ردعٍ أو حسمٍ قانوني، وكأن ما يصدر عنهم هو تعبيرٌ عن إحساسٍ باطني يمثل إنسان تلك المنطقة.
ومع اندلاع الحرب التي أكلت الأخضر واليابس، حربٍ لم تميز بين الشماليين وأهل الغرب، ولا بين الشرق والجنوب الجديد، فرّ من كانوا على سدة الحكم والممسكون بمفاصل الدولة، ومعهم بعض مكوناتهم الاجتماعية وأعوانهم، إلى دول الجوار وسائر بلدان الإقليم والعالم، تاركين خلفهم أبناء البسطاء يقاتلون من أجل كرامة وطنٍ تُرك لمصيره، وأرضٍ انتهكت، وأعراضٍ استُبيحت.
لقد اختار أولئك الهروب إلى الملاذات الآمنة، بدلاً من الصمود والدفاع عن كرامة أمةٍ جُرحت في أرضها وعرضها. غير أن هذا الهروب، في المقابل، أكد للداخل والخارج أن أبناء الوطن الحقيقيين لا يساومون على كرامتهم ولا يتراجعون عنها.
فقد لبّى الشعب، رغم ما يعانيه من قهرٍ وضيق، نداء القائد العام للقوات المسلحة السودانية، وانخرط الجميع—دون اعتبار للقبلية أو الجهوية—في معركةٍ ضروس، دفاعًا عن الوطن وسعيًا لتحرير كل شبرٍ من أرضه من تمرد مليشيات الجنجويد.
ومن المهم الإشارة إلى أن قساوسة الكنيسة السودانية الوطنية وضعوا الكتب المقدسة جانبًا، وانخرطوا في ميادين القتال جنبًا إلى جنب مع القوات المسلحة والقوات المساندة، مساهمين في دحر التمرد وتحرير الأرض. وقدّمت الكنيسة السودانية الوطنية ارتالا من الشهداء في حرب الكرامة، وظلّ أبناؤها وما زالوا في الصفوف الأمامية، متخندقين مع الشرفاء من أبناء السودان، دون مقابل.
ومع تحرير الخرطوم، والجزيرة، وسنار، ومساحات واسعة من شمال وجنوب كردفان، بدأت ملامح الاستقرار تعود تدريجيًا، وشعر المواطنون بشيءٍ من الطمأنينة. وعلى إثر ذلك، انتظمت مبادرات العودة الطوعية عبر السفارات السودانية في الخارج، تمهيدًا لعودة المواطنين إلى أرض الوطن.
غير أن ما يؤسف له هو عودة السياسات القديمة التي قادت البلاد إلى حافة الانهيار، وعلى رأسها سياسة المحاباة بين المكونات الاجتماعية والثقافية والسياسية والدينية.
وفي الوقت الذي تعج فيه وسائل الإعلام ومنابر النقاش باستنكار إبعاد الفريق شمس الدين الكباشي من مواقع صنع القرار السيادي والعسكري—وهو رجلٌ يُشهد له بالمهنية، ولا يعرف القبلية أو الجهوية طريقًا إلى مسيرته—تفاجأ الرأي العام، بالتزامن مع احتفالات قيامة السيد المسيح، خاصة لدى الكنائس الشرقية، بزيارة رئيس مجلس السيادة للكنيسة القبطية في مناسبة العيد، وهي خطوة إيجابية تُحسب له.
غير أن التساؤل المشروع يظل قائمًا:
هل يدرك رئيس مجلس السيادة أن الكنيسة السودانية الوطنية تمثل مكونًا أصيلًا في الدولة السودانية؟
وهل يعلم أن الأنظمة المتعاقبة—منذ عهد الأزهري وحتى ما سُمي بثورة ديسمبر—قد دأبت على تقديم الكنيسة القبطية كواجهة دينية، في مقابل تهميشٍ متعمد للكنيسة السودانية الوطنية؟
إننا في الكنيسة السودانية الوطنية نرفض ونستنكر، بأشد العبارات، هذه السياسات التي أضرت بالبلاد وأدخلتها في أزمات متلاحقة. وقد آن الأوان لإشراك جميع المكونات الاجتماعية السودانية في صناعة القرار الوطني، دون إقصاء أو تمييز.
كما نؤكد أننا لن نصمت بعد اليوم تجاه أي ظلم يقع على المسيحيين الوطنيين نتيجة سياسات الدولة، ونطالب بحقوقنا المشروعة في كافة مستويات الحكم: السيادي، والتنفيذي، والتشريعي،القضائي والدبلوماسي، وكذلك في مفاصل الخدمة المدنية.
حتى لا يُفسَّر صمتنا—كما في السابق—على أنه ضعف أو جهل بالحقوق.
فليب عبدالمسيح الخبيك
الخرطوم _13/4/2026




