اعمدة ورأي

.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب. ذاك البيت الكبير.. حيث تُنسج الذكريات بحنينٍ لا يفنى

.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب. ذاك البيت الكبير.. حيث تُنسج الذكريات بحنينٍ لا يفنى

د.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب. ذاك البيت الكبير.. حيث تُنسج الذكريات بحنينٍ لا يفنى

إهداء إلى ابن أخي الحبيب الأمير أمير محمد أحمد محجوب، الذي أثار شجون الذكريات بقلبه الطيب، فطلب مني أن أنسج هذه الكلمات تعبيراً عن حنيننا جميعاً إلى ذلك البيت العتيق.
ذاك البيت الكبير.. حيث تُنسج الذكريات بحنينٍ لا يفنى، وتُحاك الذكريات بخيوطٍ من نور. بيت والدي المرحوم محجوب عبد الله محمد، وبيت أمي الغالية آسيا قيلي -حفظها الله- في مربع (254)، قطعة (67) بحي مايو جنوب، في مدينة مدني الحبيبة. تلك المدينة التي تحتضن ذكرياتنا كما تحتضن الأم وليدها.
ذلك البيت الذي كتب على لافتته “مرحباً بالإخوان”، فكان ملاذاً للقلوب قبل الأجساد، وكان بحقٍّ داراً للقربى، وملاذاً لكل قلبٍ تاق إلى الدفء. في زوايا ذلك البيت الواسع، حيث تتدفّأ الجدران بأصوات الضحكات، ويهطل السقفُ غيمةً من الحبّ.
وها هو ابن أخي الأمير أمير محمد أحمد محجوب، بعد عامين من فراقٍ قسريٍّ فرضته ظروف الحرب، يعود بقلبه وذكرياته إلى ذلك البيت رقم 67 في مايو، حيث كانت أيامنا تُحكى كالحكايات، وتُختزن كالعطور في زجاجات الذاكرة. في زوايا ذلك البيت الواسع، حيث تهمس الجدران بأصوات من رحلوا، وتضحك النوافذ كلما مرّت بها نسمة حنين، نجد أنفسنا نعود أطفالاً، نبحث عن بصمة والدي على الجدار، وعن رائحة القهوة التي كانت تملأ الدنيا من يد أمي.
ذلك هو بيت الأب والأم، وبيت الجد والجدة، الذي صار عنواناً للعائلة كلها، ففيه نلتقي رغم تباعد الديار، وفيه نجد أنفسنا رغم تشتت الأيام. هنا، تحت سقف هذا البيت الذي جمعنا صغاراً، نعود كباراً لنكتشف أن الحب لا يكبر ولا يشيخ، بل يظل طرياً كأول يوم.
وها أنا اليوم أكتب هذه الكلمات، مستجيباً لطلب ابن أخي الذي أدرك أن الذكريات لا تُحفظ في الصدور فقط، بل تُكتب كي تبقى نوراً للأجيال القادمة.
فلتظل تلك الجدران شاهداً على حكاياتنا، ولتظل تلك الغرف تُروي للأبناء والأحفاد أن العائلة ليست مجرد أسماء، بل هي قصص وحكايات تبدأ ببيت، وتنتهي بقلب.
في زوايا ذلك البيت الواسع، حيث تتدفّأ الجدران بأصوات الضحكات، ويهطل السقفُ غيمةً من الحبّ، هنا تُخبّئ الغرف قصصاً لا تنتهي.. حكاياتٌ تبدأ بفنجان قهوةٍ ساخن، وتنتهي بعناقٍ دافئ عند المغيب.. ذلك هو بيت الوالد والوالدة وللبعض بيت الجد والجدة، البيت الذي يضمّ الكلّ تحت سقفٍ واحد، حيث تُختمَر المشاعر في عجين الذكريات، ويُحتفَظ باللحظات ككنوزٍ ثمينة في خزائن القلب.
وكما ذكر لي ابن أخي الأمير أمير محمد أحمد محجوب، بعد عامين من غيابٍ فرضته رياح الحرب، عاد قلبه يئنّ شوقاً إلى ذلك البيت رقم 67 في مايو، حيث غرفة جده ذات الرفوف المليئة بالحكايات، وفناء جدته الذي تفوح منه رائحة الكسرة الساخنة.
كم مرّةً التقطنا أريج الخبز الطازج من المطبخ فتبعناه كفراشاتٍ تبحث عن نور؟ وكم مرّةً احتضنتنا تلك الأركان الواسعة حينما هربنا إليها من صخب العالم؟ هنا.. في هذا البيت، لا يوجد غرباء، ولا تشقّقات في القلوب. الكلّ يُكمِل الكل، كقطعٍ في لوحةٍ مرسومة بحنان. الوالد كان يُعلّمنا الصبر بأحاديثه التي لا تنضب وان نتقي الله في سكناتنا وحركاتنا، والوالدة تُذكّرنا بأنّ الحبّ يُزرع كالنبات، يسقيه الاهتمام وينمو بالاحتضان.
ذلك هو بيت الوالد والوالدة، ولنا جميعاً بيت الجد والجدة، البيت الذي يضمّ الكلّ تحت سقفٍ واحد. فيا ليت الزمان يعود بنا إلى تلك الأيام، حين كنا نلتف حول مائدة والدي كالعصافير، ونسمع همسات أمي وهي توزع القبلات كالسكر على قلوبنا. هنا تُختمَر المشاعر في عجين الذكريات، ويُحتفَظ باللحظات ككنوزٍ ثمينة.
الأطفال يجرون في الفناء، تعلو ضحكاتهم كألحانٍ عذبة، والأمهات يتبادلن الهمسَ والابتسامات كأنّهنّ بناتُ بيتٍ واحد. حتى الساعة القديمة على الحائط لا تزال تُنبِت ذكرياتٍ مع كلّ دقّة.. تُذكّرنا بأنّ الوقت يمرّ، لكنّ بعض الأماكن تظلّ ثابتةً في الروح، كالنجوم في السماء.
ذلك البيت الذي صار عنواناً للحنين، حتى اللوحات الجميلة والساعة على حائطه توقفت كأنها ترفض أن تمحو الزمن ذكرياتنا. الأطفال يجرون في الفناء، وهم اليوم رجالٌ يحملون في حقائبهم عطر ذلك الفناء، والأمهات يتبادلن الهمسَ وكلهنّ بنات تلك الجدران التي علمتهن أن الحبّ يُزرع كالنبات.
في زحمة الحياة، نبحثُ عن مكانٍ نعود إليه، حيث لا نحتاج إلى مفتاحٍ لندخل، ولا إلى كلماتٍ لنُفهم. بيتٌ كبيرٌ تُضيئه نافذة الوالدة كلّ مساء، كأنّها تقول للغائبين: “تعالوا.. العشاء جاهز، والمكان ما زال دافئاً بانتظاركم”. بيتٌ تختلط فيه روائح الماضي بحاضرٍ نعيشه بامتنان، لأنّنا نعلم أنّ هذه الجدران لم تُبنَ بالأسمنت فقط، بل بضحكاتٍ دافئة، ودموعٍ مُشرَبة بحبٍّ لا يعرف الانتهاء.
في زحمة الحياة، نبحث عن مفتاح ذلك البيت الذي لم يُغلق أبداً، لأن قلوبنا ما زالت تطرق بابه كل مساء. حتى نافذة أمي المضيئة في مربع 254 صارت منارةً للغائبين. فيا أيها البيت الذي شهد أول خطواتنا، سنظلّ نعود إليك كما يعود العطشان إلى النبع، لأنك أنت الوطن الذي لا يخون، والقلب الذي لا يتعب من العطاء.
فيا أيّها البيت الكبير.. مهما ابتعدنا، سنظلّ نحملُ في حقائبنا عطرَ أرضك، ونداءَ سقفك. لأنّك أنت الوطن الصغير الذي لا يخون، والمرفأ الذي لا تغيّره الأعاصير. ستبقى حبّنا الأوّل، والملجأ الأخير. ❤️
إلى ابن أخي الأمير أمير محمد أحمد محجوب، شكراً لأنك ذكرتنا بأن الجذور لا تموت، وأن الحنين إليها ليس ضعفاً، بل هو قوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى