اعمدة ورأي

في يوم القضاء على الفقر… احتفلنا مرتين فماذا تغيّر في حياة الفقراء؟ من ازدواجية الفعاليات إلى تكامل السياسات: “نحو حماية اجتماعية تليق بإنسان السودان” إعداد: د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني أكتوبر 2026م

في يوم القضاء على الفقر… احتفلنا مرتين فماذا تغيّر في حياة الفقراء؟ من ازدواجية الفعاليات إلى تكامل السياسات: "نحو حماية اجتماعية تليق بإنسان السودان" إعداد: د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني أكتوبر 2026م

في يوم القضاء على الفقر… احتفلنا مرتين فماذا تغيّر في حياة الفقراء؟

من ازدواجية الفعاليات إلى تكامل السياسات: “نحو حماية اجتماعية تليق بإنسان السودان”

إعداد: د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد
باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني
أكتوبر 2026م

مدخل: حين يصبح الفقر أكبر من منصة الاحتفال

في السابع عشر من أكتوبر من كل عام يتجدد الالتزام العالمي بالقضاء على الفقر بوصفه أحد أبرز التحديات الإنسانية والتنموية التي تواجه المجتمعات. وفي السودان حيث أثقلت الحرب كاهل الأسر وتراجعت سبل كسب العيش واتسعت دائرة النزوح والاحتياج كان يفترض أن تكون هذه المناسبة فرصة لمراجعة السياسات الاجتماعية وتقييم ما تحقق ومساءلة المؤسسات عن أثر جهودها في حياة المواطنين.

لكن ما شهدته الخرطوم يوم السبت 17 أكتوبر 2026 يفتح بابًا مشروعًا للنقاش حول طريقة إدارة العمل الاجتماعي والتنموي في بلادنا.

فقد أُقيمت فعالية على المستوى الاتحادي بفندق السلام روتانا جنوب الخرطوم نظمتها مفوضية الأمان الاجتماعي والتكافل وخفض الفقر برعاية وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية الاتحادية تحت شعار: «معًا من أجل تعزيز الحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي المستدام» بمشاركة قيادات الوزارة وممثلي المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والشركاء.

وفي اليوم نفسه أُقيمت فعالية أخرى على مستوى ولاية الخرطوم بقاعة المجلس التشريعي في وسط الخرطوم نظمتها الإدارة العامة للتنمية الاجتماعية وتخفيف حدة الفقر بوزارة التنمية الاجتماعية بالولاية تحت الشعار نفسه.

لسنا هنا بصدد التقليل من جهود القائمين على الفعاليتين ولا التشكيك في أهمية التوعية بقضايا الفقر وإنما نطرح سؤالًا يستحق إجابة مؤسسية واضحة:

إذا كانت المناسبة واحدة والهدف واحدًا والشعار واحدًا فلماذا لم تتجسد وحدة الهدف في تنسيق مشترك يضاعف الأثر ويوحّد الرسالة والجهد؟

وهل كان بالإمكان استثمار هذه المناسبة في فعالية مشتركة تتكامل فيها الأدوار الاتحادية والولائية وتُوجَّه فيها الموارد المتاحة نحو برنامج عملي يستفيد منه الفقراء بدلًا من إقامة فعاليتين منفصلتين في وقت يعاني فيه المواطنون من ضغوط معيشية استثنائية؟

إن السؤال الأهم ليس كم فعالية أُقيمت ولا كم شخصية حضرت ولا كم كلمة أُلقيت بل: ماذا أضافت هذه الفعاليات إلى حياة الفقراء؟ وما الذي سيبقى منها بعد انفضاض الحضور وإغلاق القاعات؟

أولًا: 17 أكتوبر… من صوت الفقراء إلى مسؤولية السياسات العامة

لم ينشأ اليوم العالمي للقضاء على الفقر باعتباره مناسبة بروتوكولية أو احتفالًا حكوميًا عابرًا. تعود جذوره إلى 17 أكتوبر 1987 عندما تجمع أكثر من مائة ألف شخص في ساحة تروكاديرو بباريس لإحياء ذكرى ضحايا الفقر المدقع والجوع والعنف والتأكيد على أن الفقر يمثل انتهاكًا لحقوق الإنسان وكرامته.

وفي 22 ديسمبر 1992 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 47/196، الذي أعلن يوم 17 أكتوبر يومًا دوليًا للقضاء على الفقر، على أن يبدأ الاحتفال الرسمي به عام 1993. ودعت الجمعية الدول إلى تخصيص هذه المناسبة لأنشطة عملية تتناسب مع أوضاعها الوطنية وتخدم جهود القضاء على الفقر والعوز، كما دعت المنظمات الحكومية الدولية وغير الحكومية إلى مساندة الدول في تنظيم أنشطتها الوطنية، وفقًا لما يحدده القرار.

وبذلك أصبحت الأمم المتحدة الإطار الدولي الراعي لهذه المناسبة فيما تتولى الحكومات والمؤسسات الوطنية والمجتمع المدني تنظيم الأنشطة ذات الصلة في بلدانها.

وتوضح الخلفية الرسمية المنشورة على موقع الأمم المتحدة أن مشاركة الأشخاص الذين يعيشون في الفقر ظلت عنصرًا أساسيًا في إحياء هذا اليوم منذ بدايته باعتبارهم أصحاب خبرة ومعرفة بواقعهم وشركاء ينبغي أن يكون لهم صوت في القرارات التي تؤثر في حياتهم.

المصدر: الأمم المتحدة «الخلفية التاريخية لليوم الدولي للقضاء على الفقر»، والقرار رقم 47/196 للجمعية العامة للأمم المتحدة.

– “الخلفية التاريخية لليوم الدولي للقضاء على الفقر – الأمم المتحدة” (https://www.un.org/ar/observances/day-for-eradicating-poverty/background).
– “القرار رقم 47/196 – مكتبة الأمم المتحدة الرقمية” (https://digitallibrary.un.org/record/159182?ln=ar).

إن الرسالة الجوهرية لهذا اليوم لا تتمثل في إعلان التضامن مع الفقراء من بعيد وإنما في الاعتراف بحقهم في المشاركة في القرارات التي تؤثر في حياتهم والاستماع إلى تجاربهم ومعالجة الأسباب البنيوية التي تعيد إنتاج الفقر والإقصاء والحرمان.

فالفقر ليس مجرد نقص في المال؛ إنه قد يعني غياب الغذاء الكافي وتعذر العلاج، والانقطاع عن التعليم وفقدان السكن والعمل وانعدام الحماية أمام الأزمات. ولهذا لا يمكن القضاء عليه بالخطب أو المساعدات المؤقتة وحدها بل يحتاج إلى سياسات عادلة ومتكاملة تضمن الحقوق وتوسع الفرص وتبني قدرة الناس على الاعتماد على أنفسهم.

وتنسجم هذه الرؤية مع الهدف الأول من أهداف التنمية المستدامة الذي يدعو إلى القضاء على الفقر بجميع أشكاله وفي كل مكان.

ثانيًا: السودان… حين تتضاعف الحاجة وتتعاظم مسؤولية الدولة

يأتي الاحتفال بهذه المناسبة في السودان في سياق استثنائي؛ فالحرب لم تدمر البنية التحتية وتُعطّل المؤسسات فحسب بل أضعفت مصادر دخل الأسر ووسعت رقعة النزوح وأثقلت كاهل المجتمعات المستضيفة وأضعفت قدرة قطاعات واسعة على توفير احتياجاتها الأساسية.

وفي هذه الظروف لا يعود الفقر قضية اجتماعية منفصلة عن بقية القضايا بل يصبح مرتبطًا مباشرة بالسلام والأمن الغذائي والصحة والتعليم والعمل والسكن والحماية من العنف والاستغلال.

وتزداد خطورة الوضع عندما تتحول الأسرة من منتجة إلى معتمدة بالكامل على المساعدات أو عندما يفقد النازح مدخراته وأدوات إنتاجه وشبكات دعمه الاجتماعي ثم يجد نفسه مضطرًا إلى بدء حياته من جديد في بيئة محدودة الموارد والفرص.

وهنا لا بد من قول الأمر كما هو: الفقر الذي تعمّقه الحرب ليس مسؤولية الأفراد وحدهم ولا يجوز اختزال معالجته في مطالبة الفقراء بالصبر أو الاعتماد على الذات. فحين يفقد الإنسان منزله ومصدر رزقه وحين تتعطل الخدمات وتضيق فرص العمل تصبح مسؤولية الدولة والمؤسسات المعنية توفير الحماية اللازمة وتهيئة الظروف التي تمكّن الناس من استعادة حياتهم وكرامتهم.

ولا ينبغي أن نغفل أن النساء المعيلات والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن والنازحين والعائدين إلى مناطقهم يواجهون مخاطر متباينة تتطلب استجابات تراعي احتياجاتهم وقدراتهم لا برامج عامة تفترض أن الجميع يعيشون الظروف نفسها.

في مثل هذا الواقع ينبغي أن تكون مناسبة اليوم العالمي للقضاء على الفقر لحظة لتوحيد الأولويات ومراجعة برامج الحماية الاجتماعية وتوجيه الموارد المحدودة إلى ما يحقق أكبر أثر ممكن.

ومن هنا تحديدًا تبرز أهمية التنسيق بين المستوى الاتحادي ومستوى ولاية الخرطوم وبين المؤسسات الحكومية والمنظمات الوطنية والشركاء الدوليين والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية.

فالمواطن الذي يواجه الفقر لا يعيش مشكلته وفق التقسيمات الإدارية للمؤسسات ولا يستطيع الانتظار حتى تتفق الجهات المعنية على من يبدأ ومن يقود. إنه يحتاج إلى استجابة متكاملة تصل إليه في الوقت المناسب.

ثالثًا: احتفالان في يوم واحد… هل المشكلة في العدد أم في غياب التكامل؟

من حيث المبدأ لا يُعد تعدد الفعاليات خطأً في ذاته؛ فقد تكون هناك مبررات تنظيمية أو اختصاصات مختلفة تستدعي أنشطة اتحادية وولائية. كما أن اختلاف مستويات الحكم قد يجعل بعض الفعاليات المحلية ضرورية لتوسيع المشاركة والوصول إلى المجتمعات.

لكن الإشكال يبدأ عندما تتكرر الرسائل والأهداف والأنشطة من دون وضوح في توزيع الأدوار أو تنسيق في التخطيط أو تكامل في النتائج أو متابعة لما ينبغي أن يتحقق بعد المناسبة.

وفي الحالة التي شهدتها الخرطوم يحق للرأي العام أن يتساءل: هل جرى تنسيق مسبق بين الوزارة الاتحادية والوزارة الولائية؟ وهل دُرست إمكانية إقامة فعالية مشتركة؟ وهل كان هناك توزيع واضح للأدوار يضمن أن تضيف كل فعالية قيمة مختلفة؟ وهل ترتب على الفعاليتين برنامج عمل موحد أم انتهى الأمر عند حدود الاحتفاء بالمناسبة؟

هذه أسئلة مشروعة لكنها لا تعني أن الإجابة عنها محسومة سلفًا.

فلا تتوافر في المعلومات المنشورة التي استند إليها هذا المقال بيانات كافية عن حجم الإنفاق على الفعاليتين أو تفاصيل التنسيق الذي ربما جرى بين الجهتين أو النتائج التنفيذية التي قد تترتب عليهما. ولذلك لا يصح الجزم بوقوع هدر مالي أو وصف أي من الفعاليتين بأنها بلا جدوى من دون أدلة موثقة.

غير أن غياب المعلومات التفصيلية لا يلغي حق المجتمع في المطالبة بالشفافية ولا يعفي المؤسسات العامة من توضيح كيفية استخدام الموارد والنتائج التي تحققت من أنشطتها.

المشكلة ليست أن تحتفل مؤسستان في وقت وأحد ومكان جغرافي وأحد( جنوب ووسط الخرطوم ) بل أن تعمل مؤسستان في القضية نفسها من دون أن يكون واضحًا للمواطن كيف تتكامل جهودهما وما الأثر الإضافي الذي تحققه كل منهما.

إن المال العام مهما كانت قيمته ليس مجرد بند للصرف على تنظيم الفعاليات؛ إنه مورد ينبغي أن يخضع لمعيار المنفعة العامة. والوقت والجهد الإداريان أيضًا موردان لهما تكلفة حتى عندما لا تظهر تلك التكلفة في فاتورة مباشرة.

وفي بلد يواجه ضائقة معيشية واسعة يصبح من الضروري أن تسبق أي فعالية دراسة لجدواها وأن تتبعها نتائج قابلة للقياس وأن يكون التنسيق المؤسسي ممارسة فعلية لا مجرد عبارة تتكرر في الكلمات الرسمية.

وليس المطلوب إلغاء الاحتفالات أو التقليل من قيمتها التوعوية بل إعادة تعريف وظيفتها: من مناسبة تُعرض فيها الأنشطة إلى منصة تُراجع فيها السياسات وتُعلن فيها الالتزامات وتُناقش فيها الفجوات وتُحدَّد من خلالها خطوات عملية قابلة للمتابعة.

رابعًا: ماذا تقول البرامج المعلنة؟ من الإعلان إلى قياس الأثر

من الإنصاف عند تقييم الفعالية الاتحادية الإشارة إلى ما ورد في تقرير وكالة السودان للأنباء المنشور في 17 أكتوبر 2026؛ إذ نقل التقرير عن وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية الأستاذ معتصم أحمد صالح أرقامًا بشأن تدخلات ديوان الزكاة ومفوضية الأمان الاجتماعي والتكافل وخفض الفقر إلى جانب الإعلان عن شراكة تستهدف توفير 22 ألف مشروع صغير ومتناهي الصغر في 11 ولاية.

ووفقًا للتقرير أشار الوزير إلى أن تدخلات ديوان الزكاة تجاوزت 239 مليار جنيه حتى نهاية أغسطس 2026 واستفاد منها نحو 2.9 مليون مواطن كما أشار إلى تقديم المفوضية دعمًا نقديًا لنحو 326 ألف مستفيد في 12 ولاية بتكلفة تجاوزت 48 مليار جنيه. وأورد التقرير كذلك إعلان الشراكة بين المفوضية وديوان الزكاة وبنك الادخار والتنمية الاجتماعية لتوفير المشروعات الإنتاجية المستهدفة.

المصدر: وكالة السودان للأنباء، 17 أكتوبر 2026 «وزير الموارد البشرية: 239 مليار جنيه لتدخلات الزكاة و22 ألف مشروع صغير لمكافحة الفقر».

“اقرأ التقرير الكامل لوكالة السودان للأنباء” (https://suna.sd/posts/ozyr-almoard-albshry-239-mlyar-gnyh-ltdkhlat-alzka-o22-alf-mshroaa-sghyr-lmkafh-alfkr).

هذه المعلومات مهمة ولا ينبغي تجاهلها عند مناقشة جهود مكافحة الفقر. لكنها تفتح في الوقت نفسه بابًا لأسئلة مهنية لا تنتقص من قيمة التدخلات بل تساعد على تطويرها.

فما نسبة الأسر الأشد احتياجًا التي وصلت إليها هذه البرامج؟ وما معايير اختيار المستفيدين؟ وما مدى التوزيع الجغرافي للتدخلات؟ وكم عدد المشروعات التي دخلت مرحلة التنفيذ الفعلي وكم مشروعًا منها استطاع الاستمرار وتوفير دخل منتظم لأصحابه؟ وكيف تُقاس النتائج على مستوى الأسرة بعد مرور ستة أشهر أو عام على تلقي الدعم؟

إن الأرقام المتعلقة بالمبالغ المصروفة وأعداد المستفيدين تمثل مؤشرات مهمة على حجم النشاط لكنها لا تكفي وحدها للحكم على مدى نجاح السياسات في الحد من الفقر. فعدد المستفيدين يختلف عن عدد الأسر التي تحسنت أوضاعها بصورة مستدامة وعدد المشروعات المعلن عنها يختلف عن عدد المشروعات التي بدأت العمل وحققت دخلًا فعليًا.

ولذلك ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات:

– المخرجات: ما قُدِّم من مساعدات أو تحويلات نقدية أو مشروعات.
– النتائج: ما طرأ من تحسن على دخل الأسر وقدرتها على توفير الغذاء والعلاج والتعليم.
– الأثر المستدام: مدى قدرة الأسر على المحافظة على التحسن ومواجهة الصدمات وتجنب العودة إلى دائرة الفقر.

وهذا التمييز لا يستهدف التقليل من الجهود الحكومية بل يضعها في إطار التقييم الموضوعي الذي تستحقه ويمنح صانعي القرار فرصة معرفة ما نجح وما يحتاج إلى تعديل.

ومن المهم أيضًا ألا يُخلط بين الإعلان عن برنامج جديد وبين إثبات أثره؛ فالإعلان يمثل التزامًا يستحق المتابعة والتنفيذ يحتاج إلى بيانات والنتائج تحتاج إلى تقييم مستقل وشفاف قدر الإمكان.

إن أفضل احتفال باليوم العالمي للقضاء على الفقر هو الذي يستطيع أن يعرض إلى جانب ما أُعلن وما أُنفق ما تغيّر بالفعل في حياة الناس وما الذي ما زال يحتاج إلى معالجة.

خامسًا: ماذا لو تكاملت الأدوار بدلًا من تكرار المنصات؟

لنتصور أن الجهتين المعنيتين اتفقتا قبل حلول 17 أكتوبر على إعداد برنامج مشترك للقضاء على الفقر وتخفيف حدته في ولاية الخرطوم يستند إلى قاعدة بيانات محدثة للاحتياجات ويحدد الفئات والمناطق ذات الأولوية ويوزع المسؤوليات وفق الاختصاصات والقدرات.

في هذه الحالة كان من الممكن أن تتحول المناسبة إلى نقطة انطلاق لعمل مؤسسي أكثر فاعلية عبر مسارات عملية منها:

1. إعداد خريطة موحدة للفقر والاحتياج

تحديد الأسر الأشد فقرًا والنازحين والعائدين والأسر التي فقدت مصادر دخلها وربط البيانات ببرامج الحماية الاجتماعية مع مراعاة الخصوصية ومنع الازدواجية في التسجيل والمساعدة.

ولا تعني قاعدة البيانات الموحدة أن تكون جميع المعلومات متاحة لكل جهة؛ بل ينبغي أن يتم تبادل البيانات وفق ضوابط واضحة تحمي خصوصية المواطنين وتحدد صلاحيات الوصول إليها.

2. تطوير سجل موحد للتدخلات

تبادل المعلومات بين المؤسسات المعنية بما يساعد على معرفة من حصل على المساعدة ومن لم تصله الخدمات وأين تتكرر التدخلات وأين توجد فجوات حقيقية.

ويمكن أن يشكل تطوير السجل الاجتماعي الموحد الذي أشير إليه ضمن التوجهات المعلنة اتحاديًا مدخلًا مهمًا لهذا المسار بشرط استكمال ترتيبات التنسيق الفني وحماية البيانات وتحديثها باستمرار.

3. الانتقال من الإغاثة إلى استعادة سبل العيش

لا غنى عن المساعدات العاجلة للأسر التي تواجه الجوع أو المرض أو انعدام المأوى لكن الاستجابة ينبغي أن تتدرج بحسب ظروف كل أسرة نحو التدريب المهني ودعم المشروعات الصغيرة والتمويل الملائم وتوفير أدوات الإنتاج وربط المنتجين بالأسواق.

فالمساعدة العاجلة قد تنقذ الأسرة من أزمة آنية بينما يسهم التمكين الاقتصادي في تقليل اعتمادها المستمر على المساعدة إذا صُمم البرنامج وفق احتياجاتها الحقيقية وظروف السوق.

4. تنسيق برامج التمويل والشراكات

بدلًا من مخاطبة الشركاء ببرامج متشابهة ومنفصلة يمكن تقديم خطة موحدة تحدد الاحتياجات والأولويات ومؤشرات النتائج وتوضح مساهمة كل جهة وتتيح حشد الموارد بصورة أكثر كفاءة.

ويتيح ذلك للمنظمات الوطنية والشركاء الدوليين والقطاع الخاص توجيه مساهماتهم نحو فجوات واضحة بدلًا من تكرار التدخلات في مناطق يسهل الوصول إليها وترك مناطق أخرى تعاني من نقص الخدمات.

5. إشراك الفقراء أنفسهم في صناعة الحلول

فالأسر المتأثرة ليست مجرد مستفيدين ينتظرون القرارات؛ لديها معرفة دقيقة باحتياجاتها ومواردها والعوائق التي تواجهها. وإشراكها في تحديد الأولويات وتصميم البرامج وتقييمها يجعل التدخلات أقرب إلى الواقع وأكثر استدامة.

كما أن الاستماع إلى النساء المعيلات والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة والنازحين والعائدين يساعد على كشف احتياجات قد لا تظهر في التقارير الإدارية العامة.

6. اعتماد مؤشرات تقيس الأثر لا الحضور

لا يكفي أن نعرف عدد المشاركين في الاحتفال أو عدد الكلمات التي أُلقيت. ينبغي أن نعرف عدد الأسر التي تحسنت قدرتها على تأمين الغذاء وعدد المستفيدين الذين استعادوا مصادر دخلهم ومدى وصول الخدمات إلى الفئات الأكثر هشاشة وكلفة تحقيق كل نتيجة.

ويمكن نشر مؤشرات دورية مبسطة تتيح للجمهور متابعة التقدم من دون الكشف عن بيانات شخصية أو معلومات قد تعرض المستفيدين للخطر.

7. إخضاع النتائج للمراجعة والمساءلة

نشر تقرير موجز بعد المناسبة يوضح ما اتُّفق عليه وما نُفذ وما تعثر وأسباب التعثر والخطوات التالية. فالمناسبة الدولية ينبغي أن تترك وراءها التزامات معلنة يمكن للمواطنين والشركاء متابعتها.

هذه ليست مطالب مثالية تتجاوز إمكانات الدولة في ظروف الحرب بل خطوات تدريجية يمكن البدء بها ضمن الموارد المتاحة مع ترتيب الأولويات وتجنب إنشاء هياكل جديدة كلما ظهرت مشكلة في التنسيق.

سادسًا: الحماية الاجتماعية ليست إعانة مؤقتة

يستحق شعار الفعاليتين «معًا من أجل تعزيز الحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي المستدام» أن يُقرأ بوصفه التزامًا عمليًا لا عبارة احتفالية.

فالحماية الاجتماعية تعني وجود آليات تساعد الناس على مواجهة المخاطر التي تهدد حياتهم وكرامتهم من خلال التحويلات النقدية والمساعدات الملائمة والخدمات الصحية والتعليمية والحماية من الصدمات وتوسيع فرص الوصول إلى الخدمات الأساسية.

أما التمكين الاقتصادي فلا يتحقق بمجرد توزيع أدوات إنتاج أو إطلاق دورات تدريبية. إنه يحتاج إلى فهم واقع الأسواق وتحديد الفرص المتاحة وتأمين رأس المال المناسب وتطوير المهارات وتوفير فرص العمل ومعالجة العقبات التي تمنع المشروعات الصغيرة من الاستمرار.

كما أن الاعتماد على فكرة أن كل فقير يستطيع الخروج من الفقر بمشروع صغير يتجاهل حقيقة أن بعض الأسر تحتاج أولًا إلى غذاء وعلاج ومأوى وحماية وأن بعضها فقد القدرة على الإنتاج بسبب المرض أو الإعاقة أو التقدم في العمر أو ظروف النزوح.

لذلك فإن السياسة المتوازنة تجمع بين الحماية الفورية لمن لا يستطيعون تلبية احتياجاتهم الأساسية واستعادة سبل العيش لمن يمكن دعمهم للعودة إلى النشاط الاقتصادي وإصلاح أوسع يحد من أسباب الفقر وتكراره.

وفي السودان ينبغي أن يتكامل هذا كله مع جهود التعافي وإعادة الإعمار واستعادة الخدمات العامة ودعم الزراعة والإنتاج المحلي وتوسيع فرص العمل الكريم وتمكين النساء والشباب وتعزيز دور المبادرات المجتمعية والمنظمات الوطنية.

فلا يمكن أن نطالب الفقير بالاعتماد على نفسه بينما تغيب عنه أدوات الإنتاج والأسواق والخدمات ولا يمكن أن نتحدث عن التمكين الاقتصادي من دون بيئة تسمح للعمل والإنتاج والاستثمار بأن تستعيد عافيتها.

والأهم أن الحماية الاجتماعية ليست إحسانًا تمنحه المؤسسة متى شاءت بل جزء من مسؤوليتها العامة في صون كرامة الإنسان وتوسيع قدرته على الوصول إلى الحقوق والخدمات الأساسية وفق الأطر القانونية والسياسات المعتمدة.

سابعًا: ما الذي ننتظره من المؤسسات المعنية؟

إن معالجة الفقر مسؤولية مشتركة لكنها ليست مسؤولية مبهمة يتوزعها الجميع حتى لا يُسأل عنها أحد.

فالمؤسسات الاتحادية معنية بوضع السياسات والأطر الوطنية وتنسيق الجهود وتحديد المعايير العامة للحماية الاجتماعية كلٌّ وفق اختصاصه. والمؤسسات الولائية والمحلية أقرب إلى تحديد الاحتياجات الميدانية وتكييف البرامج وتنفيذها ومتابعتها.

أما مفوضية الأمان الاجتماعي والتكافل وخفض الفقر فينبغي أن يتكامل دورها مع الجهات ذات الصلة في حدود اختصاصاتها بما يدعم توحيد الجهود وتحسين استهداف الفئات المستحقة.

وتؤدي منظمات المجتمع المدني دورًا مهمًا في الوصول إلى المجتمعات وتقديم الخدمات والمناصرة ورصد الاحتياجات والمساءلة المجتمعية. كما يستطيع القطاع الخاص الإسهام في خلق فرص العمل وتطوير سلاسل القيمة وتمويل المبادرات الإنتاجية بينما يظل صوت المواطنين المتأثرين ضروريًا في كل مرحلة.

وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن الموقع الرسمي لوزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية يعرض ضمن مهام مركز تنسيق مشروعات تخفيف الفقر أهدافًا تتعلق بتنسيق جهود مكافحة الفقر وتكامل الاستراتيجيات والبرامج الاجتماعية وتحسين استخدام الموارد وتعزيز الصلات بين المستويات الاتحادية والولائية والمحلية.

المصدر: وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، «مركز تنسيق مشروعات تخفيف الفقر».

“الاطلاع على مهام مركز تنسيق مشروعات تخفيف الفقر” (https://hrsw.gov.sd/?page_id=301).

إن وجود هذه الأهداف المعلنة يؤكد أن مبدأ التنسيق ليس فكرة جديدة أو مطلبًا طارئًا بل هو جزء من التصور المؤسسي المعلن لمكافحة الفقر. والتحدي الحقيقي هو تفعيل هذا المبدأ في التخطيط اليومي وفي تبادل المعلومات وفي توحيد الأولويات وفي متابعة النتائج.

ومن هذا المنطلق أقترح أن تتبنى الجهات المعنية باليوم العالمي للقضاء على الفقر في السودان اعتبارًا من الدورة المقبلة إن شاءالله إطارًا سنويًا مشتركًا يتضمن:

– لجنة تنسيق فنية مشتركة بين المستوى الاتحادي والولاية والجهات ذات الصلة تتولى توزيع الأدوار وتحديد المسؤوليات.
– خطة عمل محددة الأولويات تتضمن الأنشطة والموارد ومواعيد التنفيذ ومؤشرات الأداء.
– برنامجًا عمليًا مصاحبًا للمناسبة يتجاوز الكلمات إلى تدخلات قابلة للقياس بحسب الموارد المتاحة.
– آلية واضحة لتبادل البيانات مع حماية خصوصية المستفيدين وضمان سلامة المعلومات.
– تقريرًا سنويًا معلنًا عن النتائج والتحديات والدروس المستفادة يميز بين ما أُعلن وما نُفذ وما تحقق من أثر.
– مساحة حقيقية لمشاركة الفقراء والمنظمات الوطنية والمجتمعات المحلية في تحديد الأولويات وتقييم الأداء.

ولا يعني ذلك بالضرورة دمج المؤسسات أو إلغاء اختصاصاتها بل جعل تعددها مصدر قوة وتكامل لا سببًا لتكرار الجهد أو تشتيت الموارد.

كما لا يعني أن كل فعالية مشتركة ستكون بالضرورة أكثر كفاءة من كل فعالية منفصلة؛ فالمعيار هو الجدوى ووضوح الأدوار والتكلفة والنتائج. لكن عندما تتشابه الأهداف والشعارات والأنشطة يصبح التنسيق المسبق ضرورة مهنية تستحق أن تكون قاعدة عمل لا خيارًا ثانويًا.

خاتمة: الفقير لا يحتاج إلى احتفالين… بل إلى أثر مضاعف

في النهاية لا ينبغي أن يكون معيار نجاح الاحتفال باليوم العالمي للقضاء على الفقر هو عدد القاعات التي احتضنته ولا حجم الحضور ولا فخامة التنظيم وإنما ما إذا كان قد أسهم في تحسين حياة إنسان أو دفع سياسة إلى الأمام أو حشد مورد لتلبية حاجة حقيقية أو قرّب المؤسسات من بعضها ومن المواطنين.

ولا نملك من دون بيانات موثقة أن نحكم على ما أنفقته الجهتان أو ما حققته كل فعالية من نتائج. لكننا نملك الحق في المطالبة بأن تكون النتائج واضحة وأن تكون الموارد العامة موضع مساءلة وأن يتحول التنسيق من شعار إلى ممارسة.

كما أن الاعتراف بما أُعلن من تدخلات ومشروعات لا يتعارض مع المطالبة بقياس أثرها بل إن التقييم الموضوعي هو الطريق الذي يحفظ للجهود الجادة قيمتها ويكشف أوجه القصور ويتيح تصحيح المسار.

إن الفقير الذي ينتظر ثمن الدواء والأسرة التي تعجز عن توفير وجبة كافية والنازح الذي فقد منزله ومصدر رزقه لا تعنيهم كثرة المنصات بقدر ما تعنيهم قدرة المؤسسات على الوصول إليهم بحلول حقيقية.

وفي السودان الذي أنهكته الحرب تصبح كفاءة استخدام الموارد وتكامل الأدوار وتوحيد الأولويات مسؤولية أخلاقية وتنموية لا تحتمل التأجيل.

لقد احتفلنا مرتين في يوم واحد؛ لكن السؤال الذي ينبغي أن يبقى معنا ليس لماذا تعددت الاحتفالات بل لماذا لا يتضاعف الأثر؟

فهل نستطيع أن نجعل من 17 أكتوبر موعدًا سنويًا لمراجعة ما أنجزناه في مكافحة الفقر لا مناسبةً تتكرر فيها الخطب؟ وهل ننتقل من إدارة الفعاليات إلى إدارة النتائج ومن تكرار الجهود إلى تكاملها ومن إعلان التضامن مع الفقراء إلى تمكينهم من حياة كريمة؟

ذلك هو الامتحان الحقيقي وتلك هي القيمة التي ينبغي أن تبقى بعد انتهاء الاحتفال.

فالقضاء على الفقر لا يبدأ من المنصة بل من الإنسان؛ ولا يُقاس بما نقوله عنه بل بما نفعله من أجله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى