فليب عبدالمسيح يكتب. بين الشائعات وحسابات السيادة: قراءة سياسية في أوضاع السودانيين بمصر
فليب عبدالمسيح يكتب. بين الشائعات وحسابات السيادة: قراءة سياسية في أوضاع السودانيين بمصر

فليب عبدالمسيح يكتب. بين الشائعات وحسابات السيادة:
قراءة سياسية في أوضاع السودانيين بمصر
في خضم الحرب الدائرة في السودان، ومع تصاعد حالة القلق والغضب الشعبي، برزت اتهامات متداولة تفيد بأن حكومة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وجهت الحكومة المصرية بترحيل السودانيين من أراضيها. مثل هذه المزاعم، مهما كان حجم تداولها، تستوجب قراءة سياسية هادئة تستند إلى منطق العلاقات الدولية، لا إلى ردود الفعل العاطفية أو الخطاب الشعبوي.
. أولًا: منطق السيادة وحدود التأثير
العلاقات بين الدول تُدار وفق مبدأ السيادة والمصالح المتبادلة، لا عبر توجيهات مباشرة من دولة إلى أخرى، خصوصًا حين يتعلق الأمر بدولة بحجم مصر، ذات مؤسسات أمنية وسيادية مستقرة.
. القرارات المرتبطة بالوجود الأجنبي، سواء تعلقت بالسودانيين أو بغيرهم، تصدر في المقام الأول عن تقديرات الأمن القومي المصري وحساباته الداخلية.
القول بأن حكومة السودان تملي على القاهرة سياساتها الداخلية يتجاهل اختلال ميزان القوة والظروف المؤسسية الراهنة في السودان نفسه، الذي يعيش حالة حرب وانقسام وضعف إداري. من غير الواقعي سياسيًا افتراض قدرة سلطة في هذا السياق على فرض إرادة مباشرة على دولة مركزية مستقرة نسبيًا.
. ثانيًا:-
. التغييرات الهيكلية في الجهاز التنفيذي المصري
شهدت مصر في الآونة الأخيرة تعديلات وإقالات في مستويات مختلفة من الجهاز التنفيذي. هذه التحركات تُفهم عادة في إطار:
. إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية في ظل ضغوط التضخم وسعر الصرف.
. تعزيز الانضباط الإداري في مؤسسات الدولة.
. إدارة تحديات الأمن الداخلي في بيئة إقليمية مضطربة (السودان، غزة، ليبيا).
. التغيير الوزاري في النظام المصري لا يُقرأ غالبًا كمؤشر اضطراب سياسي بقدر ما يعكس إعادة ضبط للسياسات. وفي هذا السياق، قد تتجه الدولة إلى تشديد إجراءات تنظيم الوجود الأجنبي، سواء عبر ضبط الإقامات أو مراجعة أوضاع اللاجئين. مثل هذه الإجراءات، إن حدثت، تندرج ضمن إدارة ملف الهجرة والأمن، لا ضمن استجابة لإملاءات خارجية.
ثالثًا:-
فرضية تصنيف الإخوان المسلمين أمريكيًا وتداعياتها
يثار أحيانًا الحديث عن احتمال تصنيف جماعة الإخوان المسلمين من قبل الولايات المتحدة كتنظيم إرهابي شامل، وما قد يترتب على ذلك من انعكاسات داخل مصر. وحتى في حال تحقق هذا السيناريو، فإن التداعيات ستكون في الغالب:
. تعزيز التنسيق الأمني والاستخباراتي بين القاهرة وواشنطن.
. تشديد الرقابة على التحويلات المالية والجمعيات ذات الطابع السياسي.
. تضييق المجال العام تحت مبررات مكافحة التطرف.
غير أن ربط هذه الفرضية بملف السودانيين في مصر يحتاج إلى سند موضوعي؛ إذ إن الغالبية العظمى من السودانيين المقيمين هناك هم نازحون بسبب الحرب، لا فاعلون في شبكات سياسية عابرة للحدود. التعميم في هذا السياق يفتقر إلى الدقة التحليلية.
رابعًا:-
” السيناريوهات الواقعية لملف السودانيين”
يمكن مقاربة المسألة عبر ثلاثة احتمالات رئيسية:
. تنظيم إداري طبيعي: إعادة ضبط الإقامات، فرض متطلبات قانونية جديدة، أو رسوم تنظيمية.
. إجراءات أمنية انتقائية: تستهدف أفرادًا محددين بناءً على اشتباهات أو مخالفات.
. ترحيل جماعي ذو طابع سياسي: وهو سيناريو ضعيف الاحتمال نظرًا لكلفته الإنسانية والسياسية والدبلوماسية.
أي خطوة واسعة النطاق ضد السودانيين ستخلق ضغطًا دوليًا على مصر، وتؤثر على علاقاتها الإقليمية، كما ستصطدم بالروابط التاريخية الخاصة بين الشعبين، وبالاتفاقيات المنظمة للحريات المتبادلة.
خامسًا:-
لماذا تنتشر رواية “التوجيه السياسي”؟
في سياق الأزمات، تميل المجتمعات إلى البحث عن تفسير مباشر وسريع. هناك عدة عوامل تغذي هذا الخطاب:
. فقدان الثقة في النخب السياسية.
. الإحباط الناتج عن الحرب والنزوح.
. بيئة إعلامية غير منضبطة تُضخم الإجراءات الإدارية وتحولها إلى سرديات مؤامراتية.
غير أن التحليل السياسي الرصين يقتضي التفريق بين القرار السيادي الداخلي والتأثير الخارجي. في الحالة المصرية، تميل المعطيات إلى أن أي إجراءات — إن وُجدت — تُقرأ ضمن حسابات القاهرة الداخلية، لا ضمن توجيه صادر من بورتسودان.
خاتمة
في زمن الأزمات، يصبح ضبط المفاهيم ضرورة وطنية. تحميل طرف خارجي مسؤولية كل تطور قد يمنح شعورًا مؤقتًا بالوضوح، لكنه لا يصمد أمام منطق توازنات القوة ولا أمام قواعد السيادة. ما يجري في مصر بشأن السودانيين — إن كان هناك تشدد أو إعادة تنظيم — يُفهم في إطار إدارة دولة لملف أمني واقتصادي معقد، لا كتنفيذ لتعليمات من حكومة سودانية تواجه تحديات وجودية في الداخل.
المطلوب اليوم ليس تضخيم الاتهامات، بل العمل على مقاربة مؤسسية تحفظ كرامة السودانيين في الخارج، وتُدار عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية، بعيدًا عن المزايدات والانفعال.
فليب عبدالمسيح
السودان _بورتسودان



