اعمدة ورأي

تنوير النعمان حبيب الله المعارضة.. عندما يصبح الوطن هو الخصم

تنوير النعمان حبيب الله المعارضة.. عندما يصبح الوطن هو الخصم

تنوير
النعمان حبيب الله
المعارضة.. عندما يصبح الوطن هو الخصم

غبتُ عن الكتابة عن المعارضة السودانية فترة.. ليس لأنني لم أجد ما أقول، ولكن لأن ما يحدث أكبر من مجرد خلاف سياسي بين معارضة وحكومة.
كنت أبحث عن إجابة لسؤال واحد: متى تتحول المعارضة من حق مشروع إلى خصومة مع الوطن؟
أن تعارض البرهان.. حق.
أن تنتقد الحكومة وتطالب بتغييرها.. حق لا ينازعك فيه أحد.
لكن أن يتحول إسقاط السلطة إلى غاية تبرر كل الوسائل، حتى لو كانت الوسيلة هي الاستقواء بالخارج، والتحريض على العقوبات، واستدعاء التدخل الأجنبي، وتقديم السودان للعالم وكأنه دولة لا تستحق أن تبقى.. فهنا يجب أن نتوقف.
يا جماعة الخير.. البرهان ليس السودان، والجيش ليس البرهان، والحكومة ليست الوطن.
لكن السودان أيضاً ليس مشروعاً سياسياً يمكن أن يحرقه البعض حتى يصل إلى السلطة!
لقد حملت مليشيا السلاح في وجه الدولة، ودخلت الخرطوم، واحتلت المنازل والمؤسسات، وشرّدت الملايين، ودمرت ما دمرت من البنية التحتية. وبعد كل ذلك هناك من يريد أن يقنعنا بأن المشكلة الوحيدة هي أن الجيش قاتل لتحرير العاصمة!
ومن هنا تبدأ الحكاية الأكثر غرابة..
بدلاً من أن تكون الأولوية لإدانة من أشعل الحرب واعتدى على الدولة والمواطن، نجد بعض معارضي الخارج يسابقون الزمن لتقديم كل ما يمكن أن يخدم مشروع إسقاط السلطة، حتى ولو جاء ذلك عبر أبواب السفارات الأجنبية.
ثم تأتي قصة السلاح الكيميائي..
اتهام خطير جداً، لا يجوز أن يتحول إلى منشور سياسي أو مادة لتصفية الحسابات. إن كانت هناك أدلة، فلتقدم إلى الجهات الدولية المختصة، ولتُجرَ التحقيقات المستقلة، ولتظهر الحقيقة كاملة. أما أن يتحول الاتهام إلى يقين بمجرد أن يخدم الرواية السياسية، فهذا ليس إعلاماً مهنياً ولا معارضة مسؤولة.
المفارقة أن بعض الذين يرفعون راية الديمقراطية لا يريدون أن يتعلموا أبسط درس في الوطنية السياسية: يمكنك أن تكره الحكومة، لكن لا يجوز أن تكره بلدك من أجلها.
انظروا إلى معارضين في دول أخرى.. يختلفون، يشتبكون سياسياً، ينتقدون، ويطالبون بتغيير الحكومات، لكنهم يعرفون أن هناك لحظة يصبح فيها المساس بالدولة نفسها مساساً بالجميع.
أما عندنا، فقد أصبح بعضهم مستعداً لأن يرى الوطن ينزف طالما أن الدم الذي ينزف منه لا يصل إلى كرسي السلطة الذي يحلم به!
وهنا نقولها بلا مواربة:
يا معارضة السودان.. عارضوا البرهان كما تشاؤون، لكن لا تعارضوا السودان!
حاسبوا الحكومة.
اكشفوا الفساد.
طالبوا بالديمقراطية.
طالبوا بالانتخابات.
قولوا ما شئتم..
لكن لا تجعلوا السفارات قبلة سياسية، ولا تجعلوا الخارج حكماً على خلافاتنا، ولا تجعلوا دم السودانيين وقوداً لمشروع الوصول إلى السلطة.
فالسودان لا يحتاج إلى معارضة مهمتها إسقاط من يحكمه فقط..
السودان يحتاج إلى معارضة تستطيع أن تسقط الخطأ دون أن تسقط الوطن معه.
وهنا الفارق الكبير بين المعارضة الوطنية ومعارضة السلطة من أجل السلطة.
الأولى تريد أن تنقذ السودان.
أما الثانية.. فقد تجعل السودان نفسه هو الثمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى