الصادق إسماعيل علي يكتب.. نكزة : لقد أفاق المارد
الصادق إسماعيل علي يكتب.. نكزة : لقد أفاق المارد

: الصادق إسماعيل علي يكتب..
نكزة : لقد أفاق المارد
* حقًا، إن الأمم العظيمة لا تولد دائمًا في مواسم الرخاء، وإنما كثيرًا ما تخرج من رحم المحن الكبرى أكثر قوةً ووعيًا وصلابة. والسودان، الذي دفع في هذه الحرب من دماء أبنائه وأعراضهم وأموالهم ومقدراته، ومن حريته وكرامته وسيادته، ثمنًا باهظًا، لا ينبغي أن يخرج منها كما دخلها. فإما أن تكون هذه الحرب مجرد مأساة أخرى تُضاف إلى سجل مآسينا، أو تكون الزلزال الذي أيقظ الأمة من غفوتها، وجعلها ترى نفسها وواقعها ومستقبلها بعين مختلفة.
* لقد ظل أهل السودان، وعلى مدى تاريخنا الحديث، يتعاملون مع كثير من الوقائع والأحداث بقدر من السذاجة وحسن الظن، أقرب إلى البراءة منه إلى الفطنة؛ كمن يمشي في الشارع متبختراً في مواجهة ثور هائج، مطمئنًا إلى أنه نباتي!
وكأننا لم نسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن كَيِّسٌ فَطِنٌ».
أهم ما أدركه أهل السودان اليوم أن المستقبل لن يكون، ولن ينبغي له أن يكون، كما كان قبل الحرب. ولو لم يخرج السودانيون من هذه الحرب إلا بهذا الإدراك، لكفاهم ذلك أمنًا على مستقبل بلادهم.
وأبلغ درس ينبغي أن يستقر في الوجدان السوداني هو ضرورة تجاوز الولاءات والانتماءات الضيقة؛ القبلية والمناطقية والجهوية، وكذلك المؤسسات الرديفة والموازية، لمصلحة الولاء والانتماء للدولة ومؤسساتها.
وعندما تضع الحرب أوزارها، لن يقبل أهل السودان، فيما أظن، أن ينشئ كائنٌ من كان تنظيمًا مسلحًا ثم يجعله وسيلة للمطالبة بالحقوق أو التنصل من الواجبات. لن تكون في السودان بندقية غير بندقية القوات المسلحة وأجهزة الدولة النظامية الأخرى. نقطة. سطر جديد.
ولعل السيد مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة، قد أدرك هذه الحقيقة مبكرًا، حين سلّم قواته للقوات المسلحة، واتجه إلى إنشاء حزب سياسي يكون وسيلة للتعبير عن المطالب وممارسة العمل السياسي، بدل البندقية.
فبعد أكثر من أربعين عامًا قضاها محاربا للدولة، تائهًا في الغابات، ماذا جنت منطقة النيل الأزرق من البندقية غير الموت والبؤس والخراب وتعطيل التنمية والخدمات، وضياع أجيال من الأطفال عن مؤسسات التعليم؟
وهذا هو حال دارفور اليوم.
فهل تدرك الحركات المسلحة هناك الدرس قبل أن يصبح الدرس قرارًا شعبيًا لا رجعة فيه؟ وهل تتحول من كتائب عسكرية إلى كيانات سياسية تتنافس على خدمة أهلها بالبرامج والأفكار، بدل أن تظل تدرب وتُخرج الكتائب كل حين؟ فالأصل أن تُنتزع الحقوق بالكلمة والبرنامج وصندوق الاقتراع، لا بفوهة البندقية.
ولن يقبل أهل السودان بعد اليوم، على ما أظن، أن تُحكم البلاد بغير التداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع، وأن تكون القوات المسلحة، كما عهدنا بها، على مسافة واحدة من الجميع؛ حاميةً للحمى، وحارسةً للبلاد والعباد، وصائنةً لاستقلالها وكرامتها ومقدراتها.
لقد انتهى زمن الانقلابات العسكرية إلى غير رجعة.
ولن يقبل أهل السودان كذلك أن يُعاد تقسيمهم إلى كيانات قبلية وجهوية ومناطقية، يتاجر بها البعض لتحقيق مكاسب سياسية شخصية رخيصة. فقد اكتشف السودانيون، من خلال الحرب والنزوح واللجوء، أن القواسم المشتركة التي تجمعهم أكبر بكثير من تلك التي تفرقهم.
لقد نزح السوداني من قريته، فوجد أخاه السوداني في مكان آخر. وهرب هذا من الحرب، ففتح له سوداني بابه. وضاقت الأرض بأهلها، فلم يسأل أحدٌ أخاه عن قبيلته قبل أن يؤويه. فقد أذاقت الحرب الجميع بلا فرز من ذات الكأس المسمومة .
فما الذي بقي من تلك الحواجز التي ظل البعض يقيمها بين أبناء الوطن؟
ولن يقبل أهل السودان بعد اليوم أن يأتي العملاء والأرزقية والخونة والرويبضات ليبيعوهم للمستعمر، أو يتحدثوا باسمهم، أو يرهنوا قرارهم الوطني لمن يدفع أكثر.
لقد عرف السودانيون الآن أن الوطن الذي يُباع مرةً، لا يُسترد بسهولة ، أو قد لا يسترد .
وعلى الجميع أن يوفق أوضاعه وفق هذه الحقائق الجديدة.
فالسودان الذي يخرج من هذه الحرب منتصرا بإذن الله، ليس هو السودان الذي دخلها. والشعب الذي ذاق مرارة الدم والنزوح والفقد، لا يمكن أن يقبل أن يعود إلى ذات العقلية التي أوصلته إلى هنا.
لقد دفعنا الثمن، ولذلك ينبغي أن نتعلم.
لقد أفاق المارد من غفوته… ومن الأفضل للجميع أن يتعاملوا معه على هذا الأساس. فقد إنتهى زمان الاحتيال والاستهبال السياسي .
دمتم … سالمين … آمنين … تآمين … لآمين




