اعمدة ورأي

قبوجيات.. القوات المسلحة السودانية.. مدرسة الصمود والفداء المقال الثالث: يوم سقط القناع بقلم: إبراهيم النور (قبوجة)

قبوجيات.. القوات المسلحة السودانية.. مدرسة الصمود والفداء المقال الثالث: يوم سقط القناع بقلم: إبراهيم النور (قبوجة)

قبوجيات.. القوات المسلحة السودانية.. مدرسة الصمود والفداء
المقال الثالث: يوم سقط القناع
بقلم: إبراهيم النور (قبوجة)

لكل حرب لحظة ينكشف فيها وجهها الحقيقي. ولحظة الحقيقة في حرب السودان لم تكن يوم اندلاع الرصاص، وإنما عندما تحولت فوهات البنادق من مواجهة الجيش إلى استهداف المواطن الأعزل.
فبعد أن أخفقت المليشيا، في تحقيق أهدافها العسكرية السريعة، وجدت نفسها أمام واقع لم تكن تتوقعه. فالقيادة العامة لم تسقط، ومؤسسات الدولة لم تنهَر، والقوات المسلحة أعادت تنظيم صفوفها، واستوعبت الضربة الأولى، ثم بدأت تخوض معركة طويلة بثبات وصبر.
عندها… سقط القناع.
لم تعد المعركة، في كثير من المناطق، مواجهة بين قوتين عسكريتين، بل أصبحت معاناة يومية يعيشها المواطن السوداني داخل منزله وفي شارعه وحيه.
تحولت المستشفيات إلى مواقع عسكرية، واحتُلَّت المدارس والجامعات، واتخذت المؤسسات الحكومية والمنازل ثكنات للقتال، وأصبح المدنيون محاصرين بين نيران الحرب، لا يملكون إلا الدعاء وانتظار الفرج.
ووفقًا لما يورده الكاتب، شهدت تلك المرحلة انتهاكات واسعة هزت ضمير السودانيين. فقد اقتُحمت المنازل، ونُهبت الممتلكات، وسُرقت السيارات، وأُفرغت الأسواق من بضائعها، ولم تسلم البنوك ولا الشركات ولا المصانع من أعمال النهب والتخريب.
ولم يتوقف الأمر عند المال والممتلكات.
أن الحرب حملت معها صورًا مؤلمة من الاعتداء على المدنيين، ففقدت أسر أبناءها، وتشردت ملايين العائلات داخل السودان وخارجه، وقامت المليشيا بارتكاب أعمال قتل واعتداءات جسيمة بحق مدنيين، وبإهانة كبار السن، وترويع النساء والأطفال، حتى أصبح الخوف رفيقًا لكل بيت، وأصبح النزوح عنوانًا لحياة ملايين السودانيين.
كانت قرى بأكملها تفرغ من سكانها، ومدن كانت تضج بالحياة تحولت إلى شوارع صامتة، لا يُسمع فيها إلا دوي القذائف أو نباح الكلاب التي بقيت تبحث عن أصحابها.
ولم يسلم حتى الحيوان من آثار الحرب، فقد ماتت أعداد كبيرة من الماشية عطشًا وجوعًا، ونفقت الحيوانات الأليفة بعد أن غادر أصحابها منازلهم قسرًا، في مشهد يلخص حجم المأساة التي أصابت البلاد.
وفي تلك الأيام العصيبة، لم يكن المواطن يسأل عن السياسة، ولا عن الاتفاقات، ولا عن المناصب، بل كان يبحث عن جرعة ماء، أو رغيف خبز، أو دواء لمريض، أو طريق آمن ينجو به مع أسرته.
وهنا بدأ وعي الناس يتغير.
فكلما اتسعت رقعة المعاناة، ازداد إدراك السودانيين أن ما يجري لم يعد مجرد صراع على السلطة، بل أصبح معركة تتعلق ببقاء الدولة نفسها، وبحق المواطن في أن يعيش آمنًا داخل وطنه.
ولهذا، ازداد التفاف قطاعات واسعة من الشعب حول القوات المسلحة، ليس بدافع الشعارات، وإنما لأنهم رأوا فيها المؤسسة التي ما زالت تقف في مواجهة الفوضى، وتسعى إلى استعادة مؤسسات الدولة وإعادة الأمن إلى المدن والقرى.
ولقد دفعت القوات المسلحة والقوات المساندة ثمنًا باهظًا وهي تخوض حرب المدن، وهي من أصعب أنواع الحروب وأكثرها تعقيدًا، إذ كانت تواجه خصمًا يتحصن داخل الأحياء السكنية، ويختلط بالمدنيين، الأمر الذي جعل التقدم يتطلب كثيرًا من الصبر والدقة، حفاظًا على أرواح الأبرياء وممتلكاتهم.
ومع مرور الأيام، بدأت ملامح التحول تظهر في الميدان، وبدأت كفة المعركة تميل تدريجيًا، بعد أن أثبتت القوات المسلحة أن الصبر في الحروب قد يكون أقوى من الاندفاع، وأن النصر لا يُقاس بسرعة بدايته، بل بحسن خاتمته.
لقد كان ذلك اليوم هو اليوم الذي سقط فيه القناع، وانكشفت أمام السودانيين حقيقة ما يدور على أرضهم، فازدادت القناعة بأن الوطن لا يُحمى إلا بأبنائه، وأن الدول قد تمر بعواصف عاتية، لكنها لا تسقط ما دام فيها رجال يحملون همها، وشعب يرفض أن يُسلِّم وطنه للفوضى.
وللحديث بقية…
في المقال الرابع: “الشعب والجيش… وطنٌ يقاتل بيدٍ واحدة”، وكيف تحولت معركة القوات المسلحة إلى قضية شعب بأكمله، وخرجت المقاومة الشعبية والاستنفار لتكتب فصلًا جديدًا من فصول الصمود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى