اعمدة ورأي

حين يغنّي الإعلام خارج الزمن: برامج تعزف اللحن الخطأ في زمن الألم د.أيمن محجوب عبد الله محمد

حين يغنّي الإعلام خارج الزمن: برامج تعزف اللحن الخطأ في زمن الألم د.أيمن محجوب عبد الله محمد

حين يغنّي الإعلام خارج الزمن: برامج تعزف اللحن الخطأ في زمن الألم
د.أيمن محجوب عبد الله محمد

في كلِّ عامٍ، ومع إطلالة شهر رمضان، تعود إلى الشاشات البرامج الغنائية ذاتها، بالأفكار ذاتها، وحتى بالأغاني ذاتها، وكأن الزمن لا يتحرك. من بينها برنامج أغاني وأغاني على شاشة قناة النيل الأزرق، وبرنامج يلا نغني الذي يُعرض على قناة البلد. ورغم اختلاف الأسماء، إلا أن المضمون واحد: إعادة تدوير للأغنيات، استضافة متشابهة، وتقديم لا يحمل جديدًا يُذكر.
الفكرة لم تعد مفاجئة، بل أصبحت متوقعة حدَّ الملل. نفس الجلسة، نفس الإضاءة، نفس التعليقات المنمّقة، ونفس الأغاني التي سمعناها عشرات المرات. أين التجديد؟ أين المغامرة الفنية؟ أين الجرأة في الطرح؟ لقد تحوّلت هذه البرامج إلى طقسٍ موسميٍّ محفوظ، يُعاد كما هو دون مراجعة أو تطوير، وكأن المشاهد بلا ذاكرة.
لكن المسألة لم تعد فنية فحسب، بل إنسانية أيضًا. في ظل الظروف القاسية التي يمر بها الشعب السوداني من ويلات الحرب، ونزوح الأسر، وفقدان الأحبة، وتقلُّب الحياة اليومية بين الخوف والقلق، يبدو بثُّ برامج غنائية احتفالية بلا أي حساسية تجاه الواقع أمرًا يثير التساؤل. ليس المطلوب إلغاء الفن، فالفن رسالة، لكن المطلوب أن يكون متصلاً بالناس، نابضًا بوجعهم وآمالهم، لا منفصلاً عنهم في فقاعة من الطرب المعاد.
المشاهد اليوم تغيّر. لم يعد يبحث فقط عن صوت جميل، بل عن معنى، عن كلمة تمسّه، عن برنامج يشعره أن صوته مسموع وهمّه مفهوم. لقد تجاوز كثيرون مرحلة الترفيه السطحي إلى البحث عن محتوى يواكب المرحلة: برامج تناقش قضايا المجتمع، تسلّط الضوء على قصص الصمود، تعزّز الأمل الحقيقي لا المصطنع.
إن الإصرار على تقديم النسخة نفسها عامًا بعد عام هو استخفاف بذائقة الجمهور. والأسوأ من ذلك أن تجاهل السياق العام للبلاد يوحي بانفصالٍ مؤلم بين ما يجري على الأرض وما يُعرض على الشاشة. الإعلام مسؤولية، وليس مجرد ساعات بثٍّ يجب ملؤها بأي محتوى.
ربما آن الأوان لإعادة التفكير: هل نحتاج إلى مزيد من إعادة الأغاني، أم إلى إعادة النظر في أولوياتنا؟ هل نريد برامج تحفظ الماضي فقط، أم تصنع وعيًا يليق بالحاضر؟
الفن لا يموت، لكنه يتجدد أو يبهت. والجمهور لا يغيب، لكنه يختار. وإذا استمرت هذه البرامج على النهج نفسه، فستجد نفسها تغني… بلا مستمعين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى