القوات المسلحة السودانية.. مدرسة الصمود والفداء المقال الأول: حين وقف الجيش في وجه العاصفة بقلم: إبراهيم النور (قبوجة)
القوات المسلحة السودانية.. مدرسة الصمود والفداء المقال الأول: حين وقف الجيش في وجه العاصفة بقلم: إبراهيم النور (قبوجة)

القوات المسلحة السودانية.. مدرسة الصمود والفداء
المقال الأول: حين وقف الجيش في وجه العاصفة
بقلم: إبراهيم النور (قبوجة)
ليست عظمة الجيوش في ما تمتلكه من سلاح وعتاد فحسب، وإنما فيما تغرسه في نفوس رجالها من عقيدة، وانضباط، وإيمان بالوطن. وعندما تمر الأمم بالمحن، لا يبقى في الميدان إلا الرجال الذين تربوا على أن الوطن أمانة، وأن التضحية من أجله شرف لا يضاهيه شرف.
في صباح الخامس عشر من أبريل 2023، وجد السودان نفسه أمام أخطر تمرد مسلح عرفه في تاريخه الحديث. فقد شنت المليشيا المتمردة هجومًا واسعًا ومتزامنًا على القيادة العامة للقوات المسلحة، والقصر الجمهوري، وسلاح المدرعات، وسلاح الإشارة، وقواعد ومطارات عسكرية في العاصمة وعدد من الولايات، في محاولة لإسقاط الدولة بضربة خاطفة.
وقبل ذلك بوقت قصير، كانت مؤشرات التصعيد واضحة لكل متابع. فقد دفعت المليشيا بحشود كبيرة إلى داخل الخرطوم، وسيطرت على بعض المطارات الولائية، وكثفت انتشارها العسكري بصورة تجاوزت ما نصت عليه الاتفاقات والترتيبات الأمنية، بينما كانت القيادة العامة للقوات المسلحة تتعامل مع الموقف بأقصى درجات ضبط النفس، حرصًا على تجنيب البلاد مواجهة كان الجميع يدرك خطورتها.
أن تلك المرحلة شهدت تدخلات إقليمية ودولية، إلى جانب حسابات سياسية داخلية معقدة، أسهمت في تأجيج الأزمة، حتى ظن قادة التمرد أن إسقاط الدولة لن يستغرق سوى ساعات، وأن اعتقال القائد العام والسيطرة على مؤسسات الحكم أصبحا أمرًا محسومًا.
لكنهم أخطأوا في قراءة التاريخ.
فقد واجهوا جيشًا يزيد عمره على مائة عام، جيشًا صُنعت عقيدته في ميادين القتال، وتوارث أفراده قيم الانضباط والصبر والفداء جيلًا بعد جيل. لم يكن ذلك الجيش وليد لحظة، ولا مؤسسة يمكن أن تنهار تحت وقع المفاجأة، بل كان مدرسة وطنية عريقة، خبرت الحروب، وواجهت المحن، وخرجت منها أكثر صلابة.
وفي تلك الساعات الأولى، كتب رجال الحرس الجمهوري واحدة من أروع صفحات البطولة. فقد ظلوا ثابتين في مواقعهم، يقاتلون دفاعًا عن واجبهم وعن القيادة، غير عابئين بكثافة النيران ولا بعدد المهاجمين، حتى ارتقى عدد كبير منهم شهداء وهم يؤدون القسم الذي أقسموه للوطن.
تلك هي مدرسة القوات المسلحة السودانية… مدرسة تعرف أن الموقع العسكري ليس مجرد مبنى، بل عهد وشرف لا يُسلَّم إلا مع آخر قطرة من الدم.
ومع تعثر الهجوم العسكري، لجأت المليشيا إلى أساليب أخرى، فانتقلت من مواجهة الجيش إلى استهداف المجتمع. فاحتلت المستشفيات والمؤسسات الحكومية والمنازل، واتخذت الأحياء السكنية مواقع للقتال، الأمر الذي زاد من معاناة المدنيين. كما عمدت الي ارتكاب انتهاكات واسعة شملت القتل والنهب والسلب، والاستيلاء على ممتلكات المواطنين وسياراتهم، ونهب الأسواق والبنوك والشركات، إضافة إلى قيامها بارتكاب اعتداءات جسيمة بحق المدنيين، وتشريد ملايين السودانيين من ديارهم، حتى تحولت أحياء كاملة إلى مدن أشباح بعد أن كانت تنبض بالحياة.
ورغم هول المشهد، لم تنهَر القوات المسلحة، ولم تستعجل الحسم، بل مضت وفق رؤية عسكرية تقوم على الصبر، وإعادة تنظيم الصفوف، واستنزاف الخصم، والمحافظة قدر الإمكان على مؤسسات الدولة. وهي السياسة التي أثبتت الأيام نجاعتها، وأصبحت فيما بعد أحد أهم أسباب التحول في مسار المعركة.
ولم يكن الجيش وحده في الميدان، فقد أدرك السودانيون أن المعركة لم تعد تخص مؤسسة عسكرية فحسب، بل أصبحت معركة وطن بأكمله. فتلاحم الشعب مع قواته المسلحة، وأعلن آلاف الشباب الاستنفار، ووقف المواطنون في مختلف أنحاء البلاد خلف جيشهم، كلٌّ بما يستطيع أن يقدم.
لقد ظن المتمردون أن الحرب ستكون ساعات، فإذا بها تتحول إلى امتحان لإرادة الرجال. وظنوا أن الدولة ستنهار سريعًا، فإذا بمؤسساتها تصمد، وبجيشها يعيد ترتيب أوراقه، وبشعبها يزداد تمسكًا بوطنه.
وهكذا بدأت أولى صفحات الصمود… صفحات كُتبت بدماء الشهداء، وصبر المقاتلين، ودعوات الأمهات، لتؤكد أن الأوطان قد تمرض، لكنها لا تموت ما دام فيها رجال يؤمنون بها.
وللحديث بقية…




