اعمدة ورأي

فضل الظهر… حين يصنع المجتمع حلولَه بنفسه “من قيمةٍ اجتماعية متوارثة إلى نموذج وطني للمسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي” د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني

فضل الظهر... حين يصنع المجتمع حلولَه بنفسه "من قيمةٍ اجتماعية متوارثة إلى نموذج وطني للمسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي" د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني

فضل الظهر… حين يصنع المجتمع حلولَه بنفسه

“من قيمةٍ اجتماعية متوارثة إلى نموذج وطني للمسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي”

د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد
باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني

ليس كل مشروع ناجح يبدأ بملايين الجنيهات ولا كل مبادرة مؤثرة تحتاج إلى مبانٍ ضخمة أو تجهيزات معقدة. فهناك أفكار عظيمة تبدأ من مقعدٍ شاغر في مركبة أو رغيف خبز يُقتسم مع الآخرين أو يد تمتد بالعون قبل أن يُطلب منها ذلك.

ومن بين القيم الاجتماعية الراسخة في المجتمع السوداني تبرز قيمة “فضل الظهر” باعتبارها واحدة من أجمل صور التكافل الشعبي وأصدقها تعبيرًا عن روح السودانيين التي ظلت رغم المحن والأزمات تؤمن بأن الخير مسؤولية مشتركة وأن الإنسان لا يعيش لنفسه وحدها.

إن “فضل الظهر” ليس مجرد وسيلة مجانية للتنقل بل هو رسالة أخلاقية وإنسانية تقول إن الطريق لا ينبغي أن يفرق بين الناس وإنما يجمعهم وإن المركبة ليست ملكًا لصاحبها وحده عندما يكون فيها متسع لإنسان أنهكه الانتظار أو أثقلته ظروف الحياة.

▪︎ فضل الظهر… تأصيل شرعي قبل أن يكون عادة اجتماعية

حين نتأمل هذا السلوك نجد أنه متجذر في هدي الإسلام قبل أن يكون عادة اجتماعية.

قال تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

فهذه الآية لم تحدد نوع البر بل فتحت أبوابه كلها ليشمل كل ما ينفع الناس ويخفف عنهم المشقة.

وقال سبحانه:

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].

وهذا هو جوهر “فضل الظهر”؛ أن تمنح غيرك مكانًا في مركبتك أو جزءًا من وقتك أو شيئًا من راحتك طلبًا لوجه الله.

وقال النبي ﷺ:

««والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.»»

وقال ﷺ:

««من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته.»»

وقال ﷺ:

««أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس.»»

فهذه النصوص لا تدعو إلى الكرم المالي فقط وإنما تؤسس لمنهج حياة يكون فيه نفع الناس عبادة وقضاء حوائجهم طريقًا إلى رضا الله.

ومن أعظم ما يلفت النظر في السنة النبوية أن النبي ﷺ وسّع مفهوم الصدقة حتى شمل كل عمل نافع فقال:

««كل معروف صدقة.»»

فإذا كانت الكلمة الطيبة صدقة وإماطة الأذى عن الطريق صدقة فإن حمل إنسان إلى وجهته وتخفيف عنائه أولى بأن يكون من المعروف الذي يؤجر عليه صاحبه.

▪︎ المجتمع السوداني… حين يسبق الفعلُ التنظيم

ما يميز المجتمع السوداني أن كثيرًا من أعمال الخير سبقت المؤسسات وسبقت اللوائح وسبقت حتى مصطلح “المسؤولية المجتمعية”.

فالناس مارسوا التكافل لأنهم يؤمنون به لا لأن أحدًا طلب منهم ذلك.

ولذلك لم يكن مستغربًا أن تظهر مبادرات منظمة تحمل اسم “فضل الظهر” حيث خصصت إحدى المنظمات التطوعية مواقع معلومة يقف فيها المواطنون بينما يتوقف أصحاب المركبات المحتسبون للأجر لنقلهم إلى وجهاتهم.

لقد كانت فكرة بسيطة لكنها قدمت نموذجًا عمليًا لكيفية تحويل قيمة اجتماعية متوارثة إلى مشروع تطوعي منظم.

ثم جاءت مبادرة توصيل طلاب الشهادة السودانية عبر تسجيل المركبات المشاركة وتمييزها بملصقات تحمل اسم المشروع وأرقامها في تجربة عززت الثقة والتنظيم وخففت عن آلاف الأسر عبء المواصلات في فترة تُعد من أكثر الفترات حساسية في حياة الطلاب.

▪︎ شجرة الملح… ذاكرة مدينة بأكملها

ومن أجمل النماذج الشعبية التي تستحق التوثيق شجرة الملح بأبروف تلك الشجرة الوارفة التي يعرفها أهل أم درمان جيدًا.

هناك عند تقاطع شارع السوق ( الطريق الشاقيه الطرام ) مع شارع النيل بأبروف لم تكن توجد محطة رسمية ولا مكتب لتنظيم الرحلات ولا جهة تشرف على العمل.

ومع ذلك كانت المركبات تتوقف طوعًا ويحمل أصحابها من ينتظرون الطريق إلى الخرطوم أو الخرطوم بحري.

لقد صنعت الأخلاق ما عجزت عنه اللوائح وصنع الناس نظامًا اجتماعيًا قائمًا على الثقة والنجدة والإيثار.

وهذا النموذج وحده يستحق أن يُوثق بوصفه جزءًا من الذاكرة الاجتماعية السودانية.

▪︎ مبادرات تستحق الإسناد لا التصفيق فقط

ويسرني أن أعلم بوجود مشروع جديد تعمل عليه إحدى المنظمات التطوعية بالشراكة مع إحدى شركات النقل لتسيير رحلات مجانية للمواطنين عامة وللطلاب خاصة.

ومهما تكن العقبات الإجرائية فإن مثل هذه المبادرات ينبغي أن تجد كل دعم ممكن لأنها لا تقدم خدمة نقل فحسب بل تخفف عبئًا اقتصاديًا عن الأسر وتدعم الطلاب وتعزز الثقة بين المجتمع ومؤسساته.

كما أن تجربة توزيع الخبز مجانًا في بعض المناطق تقدم نموذجًا آخر للعمل التطوعي الذكي الذي ينطلق من احتياجات الناس المباشرة ويقدم حلولًا عملية تحفظ الكرامة وتخفف المشقة.

ومن هنا نرفع أسمى آيات التقدير والتحية إلى منظمة هيومن أبيل – السودان صاحبة المبادرة الرائدة بإطلاق أول مخبز لتوزيع الخبز الفاخر مجانًا في أم درمان في خطوةٍ جسّدت المعنى الحقيقي للعمل التطوعي والإنساني الذي يحفظ كرامة الإنسان ويقدّم العون بجودةٍ تليق بالمستفيدين بعيدًا عن الاكتفاء بسدّ الحاجة فقط.

إن مثل هذه المبادرات الملهمة تؤكد أن الإحسان لا يُقاس بحجم ما يُقدَّم فحسب بل بالطريقة التي يُقدَّم بها وبالرسالة الإنسانية التي يحملها لتظل نموذجًا يُحتذى في العطاء المسؤول والشراكة الفاعلة وتعزيز قيم التكافل والكرامة الإنسانية.

كل التحية والتقدير لكل من أسهم في هذه المبادرة ونسأل الله أن يبارك جهودهم وأن يجعلها في موازين حسناتهم وأن يوفق سائر المبادرات المنظمات القاعدية والوطنية والأجنبية والإقليمية والدولية إلى إطلاق مبادرات نوعية تُسهم في التخفيف من معاناة أهل السودان وتعيد إليهم الأمل والطمأنينة.

▪︎ من الإحسان الفردي إلى السياسة المجتمعية

لقد آن الأوان لأن ننظر إلى هذه المبادرات بوصفها جزءًا من منظومة التنمية المجتمعية لا مجرد أعمال خير متفرقة.

فالجامعات ومنظمات المجتمع المدني وشركات النقل والمؤسسات الاقتصادية تستطيع أن تجعل من “فضل الظهر” برنامجًا دائمًا خاصة في مواسم الامتحانات وأوقات الذروة ولخدمة المرضى وكبار السن وذوي الإعاقة.

كما يمكن توثيق هذه المبادرات وتكريم أصحابها وإطلاق حملات توعوية تعيد الاعتبار لهذه القيمة النبيلة حتى تنتقل من الاجتهادات الفردية إلى ثقافة وطنية راسخة.

إن المجتمعات لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد وإنما بما تمتلكه من قيم. وإذا كانت الموارد قد تنقص فإن القيم إذا ترسخت صنعت حلولًا لا تستطيع الأموال وحدها أن تصنعها.

كلمة أخيرة

إن السودان اليوم وهو يمضي في طريق التعافي وإعادة البناء لا يحتاج إلى إعادة إعمار الطرق والمباني فحسب بل يحتاج أيضًا إلى إعادة إحياء القيم التي حفظت المجتمع في أحلك الظروف.

ومن هذه القيم “فضل الظهر”؛ قيمة بسيطة في ظاهرها عظيمة في أثرها تؤكد أن التكافل ليس شعارًا بل ممارسة يومية وأن المجتمع الذي يحمل بعضه بعضًا قادر بإذن الله على أن ينهض من جديد.

فلنجعل من كل مقعد شاغر فرصةً للأجر ومن كل رحلة وسيلةً للتراحم ومن كل مبادرة بذرةً لمجتمع أكثر تكافلًا وإنسانية.

﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: 20].

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى