تنوير النعمان حبيب الله البرمجة أم الخرمجة؟!
تنوير النعمان حبيب الله البرمجة أم الخرمجة؟!

تنوير
النعمان حبيب الله
البرمجة أم الخرمجة؟!
————
للمرة المليون نكتب عن قطوعات الكهرباء بصورة لا يجد لها المواطن أي تفسير. لم تعد هناك برمجة معلومة، ولا جدول يمكن الاعتماد عليه، وإنما أصبحت “خرمجة” حقيقية؛ ينقطع فيها التيار لساعات طويلة قد تتجاوز ثماني عشرة ساعة، ثم يعود لساعات قليلة، وربما يغادر الشبكة مرة أخرى دون سابق إنذار.
الأكثر غرابة أن الكهرباء أصبحت تسقط مع أول قطرة مطر، بل أحيانًا قبل أن يصل المطر إلى المنطقة، ومع أول موجة هوائية خفيفة، وكأن الشبكة تقف على حافة الانهيار. وهذا يطرح سؤالًا مشروعًا: هل المشكلة في الطبيعة أم في ضعف الصيانة والاستعداد؟
المواطن لم يعد يحتمل. الثلاجات تعطلت، والأجهزة الكهربائية احترقت بسبب التذبذب، والأدوية التي تحتاج إلى التبريد أصبحت في خطر، وأصحاب الورش والمخابز والمصانع الصغيرة يخسرون أرزاقهم يومًا بعد يوم، والطلاب يذاكرون على ضوء الهواتف والشموع، بينما لا يسمعون سوى الوعود والتبريرات.
رسالتنا الأولى إلى وزير الطاقة: المنصب مسؤولية قبل أن يكون وجاهة. فإن كنت تملك الحل فأعلنه ونفذه، وإن كنت عاجزًا عن إدارة هذا الملف، فالشجاعة تقتضي أن تترك مقعدك لمن هو أقدر على حمل هذه المسؤولية. المواطن لا يريد بيانات صحفية، وإنما يريد تيارًا كهربائيًا مستقرًا يحفظ حياته وممتلكاته.
ورسالتنا الثانية إلى والي الخرطوم، الذي ظل يحدثنا عن عودة المواطنين إلى العاصمة. أي عودة هذه والخرطوم حتى الآن لا تستطيع توفير كهرباء مستقرة حتى لجزء من سكانها؟ كيف نطالب الناس بالرجوع والاستقرار والاستثمار والإنتاج، بينما أبسط مقومات الحياة ما زالت غائبة؟ إن عودة المواطنين لا تكون بالشعارات، وإنما بالخدمات، وعلى رأسها الكهرباء والمياه والأمن.
إن إعادة إعمار الخرطوم لا تبدأ بإطلاق التصريحات، وإنما تبدأ بإعادة الحياة إلى الشبكات التي تمد الناس بالنور. فلا تنمية بلا كهرباء، ولا صناعة بلا كهرباء، ولا مستشفيات ولا مدارس ولا استثمار بلا كهرباء.
لقد صبر المواطن كثيرًا، وربما أكثر مما ينبغي، لكنه اليوم يستحق أن يسمع الحقيقة كاملة: ما الذي يحدث؟ وما هو البرنامج الحقيقي؟ ومتى تنتهي هذه الفوضى؟ أما أن تتحول البرمجة إلى “خرمجة”، ويصبح انقطاع الكهرباء هو القاعدة، واستقرارها هو الاستثناء، فذلك أمر لا يليق بدولة تسعى لإعادة البناء ولا بحكومة تطلب من مواطنيها العودة إلى الخرطوم. اليوم لم يعد المطلوب مزيدًا من الوعود… بل إدارة كفؤة، ومحاسبة للمقصرين، وقرار شجاع يعيد للكهرباء استقرارها، وللمواطن حقه في حياة كريمة




