د.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب.. اليوم العالمي للمرأة: نضال المرأة السودانية عبر العصور
د.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب.. اليوم العالمي للمرأة: نضال المرأة السودانية عبر العصور

د.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب.. اليوم العالمي للمرأة: نضال المرأة السودانية عبر العصور
تكريم الإسلام للمرأة:
لا يمكن الحديث عن نضال المرأة ودورها دون التوقف عند المكانة الرفيعة التي منحها الإسلام للمرأة، حيث كرّمها كأم وأخت وزوجة وابنة. لقد جاء الإسلام ليُصحح المفاهيم الخاطئة التي كانت سائدة في الجاهلية حول المرأة، وأكّد على حقوقها وكرامتها. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “استوصوا بالنساء خيرًا”، وجعل الجنة تحت أقدام الأمهات، تكريمًا لدورها العظيم في تربية الأجيال. كما منح الإسلام المرأة الحق في التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة، بل وحتى في الجهاد عندما تدعو الحاجة. فالسيدة خديجة رضي الله عنها كانت سيدة أعمال ناجحة، والسيدة عائشة رضي الله عنها كانت عالمة وفقيهة نقلت لنا الكثير من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. وهكذا، فإن الإسلام لم يُهمش المرأة، بل أعطاها مكانتها الحقيقية كشريك فاعل في بناء المجتمع.
في الثامن من مارس من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للمرأة، وهو يوم يُكرّم فيه إنجازات المرأة ودورها الفاعل في بناء المجتمعات وتطويرها. وفي هذا اليوم، أتوجه بتحياتي القلبية إلى أمي الحبيبة “آسيا قيلي”، التي علمتني معاني العزة والكرامة وحب الخير والوطن، وإلى زوجتي، أم بناتي، التي هي شريكة حياتي ودعمي الدائم، وإلى بناتي حبيباتي وإلى أخواتي وكل نساء السودان اللواتي يُشكلن عماد المجتمع وعنوان صموده.
المرأة السودانية، عبر التاريخ، كانت ولا تزال رمزًا للتضحية والقوة والنضال. فهي التي حملت راية التعليم والصمود في وجه التحديات، وساهمت في بناء الوطن بكل إخلاص. من حقب الاستعمار إلى مراحل الاستقلال، بل كنا نجدها تشارك في النضال السياسي والاجتماعي، وتدافع عن حقوقها وحقوق شعبها في كل الحقب التاريخية.
المرأة السودانية في حقبة الاستعمار:
في فترة الاستعمار، لعبت المرأة السودانية دورًا بارزًا في مقاومة المحتل، سواء من خلال المشاركة في الحركات الوطنية أو من خلال تربية الأجيال على حب الوطن ورفض الظلم. كانت النساء تشاركن في التوعية ونشر الأفكار الوطنية، بل إن بعضهن دفعن حياتهن ثمنًا لتحرير الوطن. كما برزت نساء مثل خالدة زاهر، أول طبيبة سودانية، التي تخرجت في عام 1952، كرمز للتميز في مجالات كانت تُعتبر حكرًا على الرجال.
المرأة في مرحلة الاستقلال وما بعدها:
بعد الاستقلال، برزت المرأة السودانية في مجالات التعليم والعمل، حيث سعت إلى كسر الحواجز الاجتماعية التي كانت تقيدها. دخلت المرأة الجامعات، وعملت في مختلف المجالات، من الطب إلى الهندسة، ومن التعليم إلى القضاء. وكانت هناك نماذج مشرقة مثل فاطمة أحمد إبراهيم، أول امرأة سودانية تدخل البرلمان في عام 1965، والتي أصبحت رمزًا للنضال النسوي في السودان والعالم العربي.
المرأة في الثورات والحراك السياسي:
لم تكن المرأة السودانية بعيدة عن الحراك السياسي، بل كانت في قلب الأحداث. في ثورة أكتوبر 1964، وثورة أبريل 1985، وصولًا إلى ثورة ديسمبر 2018، كانت المرأة حاضرة بقوة في الميادين، تطالب بالحرية والعدالة والمساواة. صور النساء السودانيات وهن يقفن في وجه القمع، ويطالبن بالتغيير، أصبحت أيقونة للنضال في العالم أجمع.
المرأة السودانية اليوم:
اليوم، تواصل المرأة السودانية مسيرتها النضالية من أجل تحقيق المساواة الشاملة والمشاركة الفاعلة في بناء دولة مدنية ديمقراطية. فهي تُظهر حضورًا لافتًا في مختلف المجالات، وتساهم بفاعلية في صنع القرار، وتسعى جاهدة لتعزيز دورها في المجتمع. ومع ذلك، لا تزال تواجه تحديات جسيمة، لا سيما في المناطق الريفية، حيث تتفاقم مشكلات الفقر والأمية وعدم المساواة. بالإضافة إلى ذلك، تظل العادات والتقاليد البالية عقبة كأداء في طريق تقدمها، مما يتطلب جهودًا مضاعفة لتجاوز هذه المعوقات وتمكينها من لعب دورها الكامل في بناء المستقبل.
المرأة السودانية في المجالات الفنية:
في المجالات الفنية، واجهت النساء السودانيات تحديات كبيرة، خاصة في التمثيل والغناء. تحية زروق، التي كانت أول ممثلة سودانية تظهر على التلفزيون، مثلت جسرًا لتقبل المجتمع لفكرة ظهور المرأة في الأنشطة الفنية. كما برزت عائشة الفلاتية وحواء الطقطاقة في مجال الغناء، بينما كانت أم الحسن الشايقية أول مطربة سودانية تسجل أسطوانة في عام 1927.
المرأة السودانية في الصحافة: أصوات تُغير الواقع وتُعلي قيم العدالة:
وفي مجال الصحافة، تُعتبر مديحة عبد الله من الرائدات، حيث كانت أول رئيسة تحرير لصحيفة الميدان السودانية منذ عام 2011. بدأت مديحة حياتها المهنية كصحفية في مجلة الميدان الإخبارية عام 1985، وعملت لاحقًا في جريدة الأيام. بالإضافة إلى عملها الصحفي، تُعد مديحة ناشطة في مجال حقوق المرأة، حيث تدعو إلى تحقيق المساواة وتؤمن بالعمل لسد الفجوة بين الجنسين. كما تكتب مقالات حول قضايا المرأة وتُعد صوتًا مؤثرًا في الدفاع عن حقوقها.
ولا يمكن إغفال دور فاطمة الصادق، الصحفية والناشطة السودانية التي أسهمت في إثراء المشهد الإعلامي السوداني. عملت فاطمة في العديد من المؤسسات الصحفية، وكانت من الأصوات الجريئة التي تناولت قضايا اجتماعية وسياسية حساسة، خاصة تلك المتعلقة بحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية. تُعتبر فاطمة نموذجًا للمرأة السودانية التي تجمع بين الإعلام والنضال من أجل التغيير.
أما عرفة خواجة، فهي صحفية وكاتبة سودانية بارزة، تميزت بأسلوبها التحليلي العميق وقدرتها على تسليط الضوء على القضايا الإنسانية والاجتماعية. عملت عرفة في العديد من المنصات الإعلامية المحلية، وساهمت في تقديم صورة متوازنة عن السودان وقضاياه. تُعد عرفة من الأصوات النسائية القوية التي تُعلي من شأن الحقيقة والشفافية في العمل الصحفي، ويكفي فخرًا أن ننشر مقالاتنا في هذا المنبر الذي تترأس تحريره.
هذه الأسماء، إلى جانب مديحة عبد الله، تُشكل جزءًا من نسيج إعلامي نسوي سوداني غني ومتنوع، يُظهر قدرة المرأة السودانية على أن تكون صوتًا مؤثرًا في المجتمع، ليس فقط من خلال نقل الأخبار، بل أيضًا من خلال الدفاع عن الحقوق وطرح القضايا التي تُهم المجتمع بأسره. إنهنّ يُعدن تشكيل صورة المرأة السودانية كشريك فاعل في بناء المستقبل، سواء في الإعلام أو في مجالات الحياة الأخرى.
خاتمة:
في اليوم العالمي للمرأة، نحيي كل نساء السودان، اللواتي كن ولا يزلن شعلة نور في طريق النضال والتحرر. نحيي الأمهات اللواتي ربين الأجيال على حب الوطن، والزوجات اللواتي يدعمن أزواجهن في كل الظروف، والبنات اللواتي يحملن أحلامًا كبيرة لمستقبل أفضل. المرأة السودانية هي عنوان الصمود والإصرار، وهي التي ستظل تشارك في بناء السودان الجديد، سودان الحرية والعدالة والمساواة.
تحية للمرأة السودانية في يومها العالمي، وتحية لكل امرأة في العالم تسعى لتحقيق ذاتها وتغيير واقعها إلى الأفضل.




