الصادق إسماعيل علي نكزة : الخرطوم: عُد إلى بيتك المهدم المنهوب… ثم ادفع الرسوم!
الصادق إسماعيل علي نكزة : الخرطوم: عُد إلى بيتك المهدم المنهوب... ثم ادفع الرسوم!

الصادق إسماعيل علي
نكزة : الخرطوم: عُد إلى بيتك المهدم المنهوب… ثم ادفع الرسوم!
من أعجب المعجزات الاقتصادية التي تستحق أن تُدرَّس في الجامعات أن تنجح جهة حكومية في استخراج الأموال من جيوب لا تحتوي أصلاً على أموال. ويبدو أن ولاية الخرطوم تمضي بخطى واثقة نحو تسجيل هذا الإنجاز التاريخي، وهي تتعامل مع الناجين من مواطنيها الذين عجزوا عن النزوح واللجؤ لعامل الفقر المدقع ، وهي تستقبل مواطنيها العائدين من النزوح واللجوء لا بالمساعدة ولا بالتشجيع، وإنما بقائمة طويلة من الرسوم والجبايات، وكأنها تقول لهم: “أهلاً بكم في دياركم المهدمة… الرجاء التوجه أولاً إلى شباك الدفع.”
الخرطوم عاصمة السودان السياسية والاقتصادية بلا منازع. قبل الحرب كانت تحتضن ما يقارب ثلث سكان البلاد، وهو رقم لم يكن دليلاً على نجاح التخطيط بقدر ما كان شاهداً على فشلٍ مزمن في توزيع التنمية والخدمات على بقية أنحاء السودان. فقد ظلت البلاد لعقود طويلة تضع معظم بيضها الاقتصادي والخدمي في سلة واحدة، ثم تتساءل بعد ذلك بدهشة: لماذا تعجز عن استغلال مواردها الهائلة الممتدة في البر والبحر والسماء؟
ثم جاءت حرب التتار الجدد، فخرجت القيادة السياسية إلى بورتسودان، وفقدت الخرطوم ثقلها السياسي مؤقتاً، وغادرها أكثر من ثمانين في المائة من سكانها، وتعرضت مقدراتها العامة والخاصة للنهب والتخريب، وتوقفت الحياة فيها حتى تحولت من قاطرة للاقتصاد إلى عبء على الاقتصاد كله. وكأن الحرب لم تفعل سوى أن وضعت أمامنا مرآة ضخمة رأينا فيها نتيجة عقود من السياسات الخاطئة التي اختزلت السودان في مدينة واحدة.
ثم تحررت الخرطوم عسكرياً في ملحمة ستظل حاضرة في الذاكرة الوطنية طويلاً، وستجد مكانها المستحق في سجلات التاريخ العسكري الحديث.
وحلم أهل الخرطوم بالعودة إلى ديارهم. لم يكونوا يحلمون بالقصور ولا بالرفاهية، بل يعلمون أنهم يعودون إلى بيوت منهوبة، وأحياء مدمرة، وخدمات تكاد تكون معدومة. ومع ذلك قبلوا بكل ذلك أملاً في استعادة شيء من الكرامة التي أهدرتها سنوات النزوح واللجوء، والبدء من جديد في البناء والإنتاج والإعمار.
لكن المفاجأة الكبرى لم تكن في حجم الدمار، وإنما في طريقة استقبال العائدين.
فالولاية، فيما يبدو، لا تملك رؤية لكيفية العودة والاستقرار وإعادة البناء والإعمار . فقررت أن تضيف إلى معاناة الحرب برنامجاً تدريبياً مكثفاً في الصبر. تبدأ الرحلة بجبايات ورسوم قانونية وغير قانونية على طول الطريق، وداخل الخرطوم حيث تنتشر نقاط التحصيل كما تنتشر محطات الوقود في الطرق السريعة، مع فارق بسيط هو أن الوقود يمنحك طاقة للحركة، أما هذه فتمتص ما تبقى من طاقتك المالية.
وعندما يصل المواطن أخيراً إلى منزله، يجد في استقباله جدراناً مهدمة أو أبواباً مخلوعة أو سقفا منزوعة أو بيتاً خالياً إلا من الذكريات. ثم يكتشف أن الخدمات الأساسية غائبة أو شحيحة: تعليم حكومي متعثر، وعلاج محدود، وكهرباء ومياه ومواصلات بتكاليف تقفز قفزات بهلوانية مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب. وفوق ذلك كله يكون العائد في الغالب بلا وظيفة ولا دخل، يعتمد على دعم الأقارب والأصدقاء في الداخل والخارج. لكنه يفاجأ بأن الولاية، بكل ثقة، تمد يدها إلى جيبه مطالبة برسوم خدمات لا تقدمها أصلاً أو تقدم منها أقل القليل. ونتركه نهبا للتعليم الخاص والعلاج الخاص …. الخ .
ثم لم تكتفِ بذلك، بل فرضت أحمالاً إضافية على الأسواق والأنشطة الصغيرة ومراكز الخدمات، وكأنها قررت أن تجعل من الجباية مشروعها التنموي الأكبر، ومن المواطن مشروعها الاستثماري الوحيد.
والأعجب أن جيب المواطن نفسه أصبح مورداً استراتيجياً، رغم أنه فارغ في الأساس. فالولاية تتعامل معه كما يتعامل المنقبون عن الذهب مع المناجم الواعدة؛ حفرٌ متواصل وأملٌ دائم في العثور على شيء، رغم أن صاحب الجيب نفسه لا يجد ما يكفي لإعاشة أسرته.
وكان الأولى بالولاية أن تعلن إعفاءً كاملاً من الرسوم والجبايات لمدة عام أو عامين، وأن تقدم حوافز للعودة والاستقرار والإنتاج، لأن كل أسرة تعود إلى الخرطوم تمثل لبنة في إعادة الإعمار ومورداً مستقبلياً للخزينة العامة. أما سياسة مطاردة المواطن بالرسوم قبل أن يقف على قدميه، فهي أشبه بمن يطالب الغريق بدفع رسوم الإنقاذ قبل إخراجه من الماء.
فإذا كانت الولاية تسعى، من حيث لا ندري، إلى إعادة توزيع السكان وتخفيف التكدس التاريخي في الخرطوم، فذلك هدف قومي كبير لا يُدار بالجبايات ولا بالارتجال، وإنما بخطة وطنية شاملة تتبناها الحكومة الاتحادية وتوفر لها الموارد والبدائل.
أما الحكومة الاتحادية نفسها، فتبدو حتى اللحظة وكأنها اختارت موقع المتفرج. فلا هي تقود مشروعاً قومياً لإعادة الإعمار، ولا هي تضع رؤية واضحة لإعادة توزيع التنمية والسكان، ولا هي تقدم دعماً حقيقياً للولايات المنكوبة.
وهكذا يجد المواطن السوداني نفسه وحيداً في مواجهة الخراب: يدفع تكلفة الحرب حين تشتعل، ويدفع تكلفة العودة حين تنتهي، ويدفع تكلفة الخدمات حين تغيب، ثم يُطلب منه بعد ذلك أن يصفق للإنجازات.
ولعل أعظم ما تحتاجه الخرطوم اليوم ليس المزيد من الرسوم، بل المزيد من العقل. والتخطيط الاستراتيجي السليم .
إن إعادة إعمار الخرطوم لا تبدأ من دفاتر التحصيل ولا من ابتكار جبايات جديدة، وإنما تبدأ بإعادة الإنسان إلى المدينة وتمكينه من الاستقرار والإنتاج. فالمواطن العائد ليس عبئاً على الولاية كما يبدو من سياساتها الحالية، بل هو رأس مالها الحقيقي. وكل يوم يتأخر فيه استقرار الناس هو يوم إضافي يضاف إلى فاتورة الخراب التي تدفعها الخرطوم والسودان معاً. أما الاستمرار في ملاحقة الجيوب الخاوية، فلن ينتج سوى مدينة خاوية أكثر. نعم سيمتنع القادمون عن القدوم ، يرحل الذين عادوا مجددا ، والذين صبروا فيها طيلة الحرب علي مرارتها الي اماكن في الداخل والخارج أكثر رحمة وأوضح رؤية في الاستقرار والتنمية .
دمتم سالمين … آمنين …. تآمين …. لامين .




