اعمدة ورأي

مجدى رشيد… يكتب : الزعيم المنقذ أم اللاعب الخفي؟.. قراءة تحليلية لمعمر لقذافي ومحمد بن زايد

مجدى رشيد... يكتب : الزعيم المنقذ أم اللاعب الخفي؟.. قراءة تحليلية لمعمر لقذافي ومحمد بن زايد

مجدى رشيد… يكتب :

الزعيم المنقذ أم اللاعب الخفي؟.. قراءة تحليلية لمعمر لقذافي ومحمد بن زايد

على مدار عقود، ظهر في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نمط قيادي يدمج بين التدخل المباشر أو غير المباشر في النزاعات وبين الظهور كوسيط وسلطة للسلام والاستقرار. مثالان بارزان هما معمر القذافي ومحمد بن زايد، حيث يستخدم كل منهما القوة، الدبلوماسية والمال لتحقيق نفوذ إقليمي، مع تسويق صورة “القائد المنقذ”.

في السبعينيات والثمانينيات، تدخلت ليبيا عسكريًا في تشاد وعدد من الدول الإفريقية، لدعم حركات مسلحة وتعزيز النفوذ الليبي. لاحقًا، حاول القذافي تقديم نفسه كوسيط في نزاعات مثل دارفور، مستضيفًا مفاوضات في مدينة سرت، رغم أنه ظل جزءًا من صناعة النزاعات نفسها. النتيجة كانت ازدواجية القيادة بين القوة المباشرة والدعاية السياسية، حيث تصطدم صورة “الزعيم الأفريقي والراعي للسلام” مع حقيقة التدخل العسكري المباشر.

الإمارات تتدخل في النزاعات الإقليمية، فى ليبيا، اليمن، سوريا، والسودان عبر استراتيجية غير مباشرة تجمع بين دعم فصائل مسلحة، توفير إمدادات لوجستية، واستخدام أدوات غير مباشرة مثل الطائرات المسيرة والتمويل العسكري. في ليبيا، قدمت دعمًا لقوات الجنرال خليفة حفتر، بما في ذلك الدعم المالي واللوجستي في حرب طرابلس. أما في اليمن، فقد دعمت المجلس الانتقالي الجنوبي ومولت تشكيلات محلية مثل الحزام الأمني والنخبة الشبوانية لتعزيز نفوذها في جنوب البلاد. اما في السودان، تقوم بدعم قوات الدعم السريع عسكريا، سياسيًا وماليًا، بتوفير المعدات العسكرية والمرتزقة نهارا جهارا رغم إنكارها. وفي سوريا، دعمت بعض الفصائل عبر شبكات لوجستية وتمويل محدود.

تتكامل هذه التدخلات مع التمويل الاقتصادي والدبلوماسي، ما يتيح للإمارات تعزيز نفوذها وكسب صمت بعض السياسيين الغربيين عبر مشاريع استثمارية ضخمة وعلاقات شخصية مع صانعي القرار، ما يخفف من الرقابة الدولية على تدخلاتها.

بهذه الطريقة، تظهر الإمارات في المؤتمرات الدولية كطرف داعم للسلام والاستقرار، بينما تدير النزاعات من خلف الكواليس، مستفيدة من التوازن بين النفوذ العسكري الخفي والدبلوماسية العلنية.

لكن “قناع السلام” هش، فهو يخفي مخاطر عديدة، منها تقديم الدعم المسلح أو اللوجستي على أنه “مساعدة”، ما يشرعن تدخلات قاتلة، بالإضافة إلى صعوبة مساءلة الجهات المتورطة بسبب الصورة الإعلامية والدبلوماسية، واستمرار الدعم المالي والعسكري الذي يطيل أمد الحرب ويزيد من هشاشة الاستقرار، إلى جانب تضليل الرأي العام عبر تصوير دور الإمارات والقيادات المتدخلة على أنه وسيط للسلام.

أجمع السودانيون على رفض أي دور سياسي للإمارات في بلادهم، معتبرين أن تدخلاتها السابقة أظهرت افتقارها للحياد والمصداقية وذلك بدعمها لقوات الدعم السريع عسكريا، سياسيًا وماليًا. التورط المباشر في الحرب في السودان والمناطق الأخرى، أضعف صورة الإمارات كوسيط للسلام، وأكد أن مصالحها الإقليمية تتقدم على حقوق المدنيين والسيادة الوطنية. هذا الموقف الشعبي يعكس تراكم التجارب السلبية، الانتهاكات الميدانية، والشكوك المستمرة حول نوايا أبو ظبي، ما يجعل أي مبادرة سياسية إماراتية محل رفض واسع بين السودانيين.

القذافي وبن زايد، رغم اختلاف الأزمنة والأساليب، يقدمان نموذجًا للزعامة الهجينة، مزيج بين القوة، التدخل، الدعاية والوساطة. القذافي اعتمد السلاح المباشر والخطاب الثوري مع وساطة لاحقة، بينما بن زايد والإمارات يعتمدون النفوذ الناعم والدعم الخفي والواجهة الدبلوماسية. الضحايا في كلتا الحالتين هم المدنيون، من دارفور واليمن إلى ليبيا وسوريا، الذين يدفعون ثمن استراتيجيات النفوذ وصناعة صورة “القائد المنقذ”.

الواقع على الأرض أهم من الدعاية، إذ أن النزاعات والانتهاكات لا تُمحى بالإعلام أو المؤتمرات الدولية، والتاريخ سيحاسب من أساء استخدام قوة النفوذ تحت قناع السلام عاجلا ام اجلا.

المانيا، ديسمبر 2025

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى