د.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب.. نزيف الحياة كارثة وفيات الأمهات أثناء الحمل والولادة في السودان
د.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب.. نزيف الحياة كارثة وفيات الأمهات أثناء الحمل والولادة في السودان

د.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب.. نزيف الحياة كارثة وفيات الأمهات أثناء الحمل والولادة في السودان
في عالمٍ يتقدّم يومًا بعد يوم في الطب والتقنية والرعاية الصحية، ما زال هناك مشهدٌ مأساوي يُلطّخ جبين الإنسانية، مشهدٌ يتكرر بصمت، لكنه يخلّف وراءه صرخة مدوّية لا تُسمع، إنها مأساة وفيات الأمهات أثناء الحمل والولادة. وبينما تنخفض هذه الأرقام في معظم بلدان العالم، يقف السودان في الصفوف الخلفية، حاملاً لقبًا قاتمًا لا يُشرّف: من أسوأ الدول في وفيات الأمهات.
الموت على أعتاب الحياة:
حين تُقبل الأم على الولادة، فهي تُقبل على الحياة، على الأمل، على المستقبل. لكن في السودان، تتحول لحظات المخاض إلى محاكمة مؤلمة بين الحياة والموت. امرأة تموت كل ساعة في السودان بسبب مضاعفات الحمل أو الولادة، ليس لسببٍ معقّد، بل لغياب الرعاية، لانهيار النظام الصحي، للفقر، للجهل، ولتجاهل الدولة.
وفقًا لبيانات الأمم المتحدة، يُسجَّل في السودان أكثر من 295 حالة وفاة لكل 100,000 ولادة حية وهذا الرقم كارثي بكل المقاييس. بالمقارنة، فإن دولًا فقيرة مثل نيبال ورواندا تجاوزت هذه المرحلة ونجحت في خفض وفيات الأمهات بأكثر من 60% خلال السنوات الأخيرة، بينما السودان يغرق أكثر فأكثر.
الأسباب: مزيج قاتل من الفقر والفساد والتهميش
لماذا تموت النساء السودانيات بهذه الأعداد؟ الجواب مُرّ ومتشعّب:
ضعف الرعاية الصحية الأولية: معظم النساء في المناطق الريفية لا يجدن طبيبًا أو حتى قابلة مؤهلة. تلد المرأة في المنزل، على الأرض، في ظروف غير آدمية.
نقص في المستشفيات والتجهيزات: حتى في المدن الكبرى، تعاني المستشفيات من نقص حاد في الأدوية، أجهزة التوليد، وأبسط أدوات الإسعاف.
فقر مدقع: كثير من الأسر لا تستطيع تحمّل تكاليف النقل للمشفى، ناهيك عن التكاليف الطبية.
الزواج المبكر والحمل المتكرر: لا توجد برامج توعية فعّالة، ولا قوانين صارمة تحمي الفتيات من الحمل المبكر أو الزواج القسري.
النزاعات والحروب: مناطق النزاع مثل دارفور وكردفان والنيل الأزرق تعاني من انعدام تام للخدمات الصحية، ما يجعل الولادة هناك أشبه بلعبة حظ مميتة.
عندما يصبح جسد المرأة ساحة حرب
المرأة في السودان ليست فقط ضحية لضعف النظام الصحي، بل ضحية لنظام سياسي أهمل الإنسان، واستثمر في السلاح بدل الصحة، في القمع بدل الرعاية، في الخراب بدل البناء. إن حياة النساء السودانيات تُهدَر على مرأى ومسمع من الجميع، ولا تُعلن الحكومات الانتقالية أو العسكرية أي خطة واضحة لحماية الأمهات.
وهنا لأبد من السؤال: أين وزارة الصحة؟ أين المنظمات المحلية؟ أين العدالة الاجتماعية؟
أرقام يجب أن تزلزل الضمائر:
تموت قرابة 6,000 امرأة سودانية سنويًا أثناء الحمل أو الولادة.
أكثر من 60% من هذه الوفيات يمكن تفاديها لو توفرت رعاية صحية مناسبة.
تغيب التغطية الصحية الكاملة عن 75% من النساء في المناطق الريفية.
فقط 1 من كل 5 ولادات تتم على يد قابلة مدرّبة في بعض الولايات.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل قصص من دموع وألم. هي أمهات لا تكتمل فرحتهن، أطفال يولدون بلا أم، وأسر ينهار عمودها الفقري.
صرخة لا بد أن تُسمع:
على كل مسؤول، على كل إعلامي، على كل مثقف وناشط في السودان أن يدرك أن حياة النساء ليست هامشًا في دفتر السياسة، بل هي جوهر بقاء المجتمع. لا يمكن بناء وطن دون حماية أمهاته. يجب أن تكون هذه القضية أولوية وطنية، لا شعارًا انتخابيًا أو ملفًا يُجمع عليه الغبار.
الحل يبدأ من الاعتراف:
الاعتراف بأن النساء في السودان يمتن بسبب الإهمال الحكومي والتمييز الطبقي والفساد الإداري.
إطلاق برامج حقيقية لرعاية الأمهات قبل وأثناء وبعد الولادة.
تدريب قابلات ميدانيات في القرى النائية.
إنشاء مراكز طوارئ ولادة في كل ولاية.
سن قوانين صارمة تمنع الزواج المبكر وتفرض الرعاية الطبية كحق لا رفاهية.
الختام: دم الأم ليس رخيصًا
حين تموت أم أثناء الولادة، لا تخسر أسرتها فقط، بل يخسر الوطن أملًا، يخسر المجتمع ركيزة، وتخسر الإنسانية كرامتها. السودان لا يحتاج فقط إلى إسعاف طبي، بل إلى صحوة ضمير وطني. لنُطلق هذه الصرخة عالية: كفى موتًا في صمت… دم الأمهات ليس رخيصًا!



