اعمدة ورأي

علي محمد طاهر علام يكتب..التعليم الخاص بين مطرقة المحليات وسندان الأوضاع الاقتصادية

علي محمد طاهر علام يكتب..التعليم الخاص بين مطرقة المحليات وسندان الأوضاع الاقتصادية

علي محمد طاهر علام يكتب..التعليم الخاص بين مطرقة المحليات وسندان الأوضاع الاقتصادية

لم يكن التعليم الخاص في السودان ترفاً اجتماعياً، ولا امتيازاً طبقياً كما قد يظن البعض، بل نشأ في الأساس كمبادرة “نفير مجتمعي” لإنقاذ العملية التعليمية حين عجزت الدولة عن سد الفجوات المتزايدة في هذا القطاع الحيوي. فتصدي رأس المال الشعبي لهذه المهمة الصعبة، وساهم بشكل ملحوظ في دفع العملية التعليمية، ووفّر مقاعد لمئات الآلاف من أبناء وبنات السودان الذين كانوا مهددين بالوقوع تحت خط الأمية.

ورغم الملاحظات والمآخذ التي تُوجَّه لبعض المدارس الخاصة، إلا أنه لا يستطيع أن ينكر أحداً دورها المحوري في استقرار العملية التعليمية في البلاد، وفي توفير متنفس للمعلمين الذين لولا هذه المدارس الخاصة لهجروا المهنة تماما بسبب ضعف الأجور الحكومية.

إن سنوات الحرب الأخيرة قد أصابت المؤسسات التعليمية في مقتل. مدارس كثيرة تعرّضت للدمار والنهب الممنهج على يد مليشيا الدعم السريع، ومع ذلك، لم يرفع أصحابها الراية البيضاء. أعادوا فتح الأبواب ما أن سنحت الظروف برغم انعدام المقاعد والمعينات التعليمية، ليمنحوا فرصة جديدة للطلاب الذين انقطعت دراستهم ثلاث سنوات كاملة بفعل الحرب.

وفي ظل الأوضاع المعيشية الخانقة، تجاوبت إدارات المدارس الخاصة مع الدعوات الرسمية بضرورة عودة الحياة لطبيعتها في ولاية الخرطوم تحديدا، فخفضت الرسوم، وتغاضت عن الزي المدرسي، وسمحت بالتقسيط المريح، حرصاً على ألا يُحرم الطلاب من حقهم في التعليم.

لكن المفاجأة التي صعقت الجميع جاءت من داخل مكاتب محلية شرق النيل – قطاع السلام تحديداً – حيث فوجئت إدارات المدارس الخاصة بمطالبات مليارية تحت مسمى “العوائد الإدارية”.
إحدى المدارس استلمت فاتورة “مطالبة سداد عوائد” بمبلغ 34 مليار جنيه موزعة كالآتي:
16 مليار جنيه متأخرات!
18 مليار جنيه ربط سنوي للعام 2025!
هذه الأرقام الفلكية لم تُبنَ على دراسة للواقع، فلم تسأل المحلية عن قيمة الرسوم الدراسية للطالب، ولا عن عدد الطلاب في الفصول، ولا عن حجم الإنفاق الإضافي الذي تتحمله المدارس لتوفير خدمات أساسية مثل مياه الشرب التي عجزت المحلية نفسها عن توفيرها.

السؤال المشروع: هل تسعى محلية شرق النيل إلى إغلاق هذه المدارس؟ ولصالح من؟
فمنطقة الحاج يوسف الوحدة على سبيل المثال شهدت تجفيفاً متسارعاً لبعض مدارسها الحكومية بسبب عدم الصلاحية، الأمر الذي دفع أولياء الأمور إلى المدارس الخاصة كملاذ وحيد. فإذا أُغلقت هذه المدارس أو اضطر أصحابها لرفع الرسوم، فإن آلاف الأسر ستُدفع دفعاً إلى عزوف قسري عن تعليم أبنائها.
إنها ليست قضية “رسوم وعوائد” وحسب، بل معركة مصيرية مع الأمية، ومعركة أخرى مع إفقار المواطن الذي يئن تحت ضغوط المعيشة وانقطاع مصادر الدخل.

اننا ومن موقع المسؤولية المجتمعية، نرفع النداء العاجل إلى السيد والي ولاية الخرطوم أحمد عثمان حمزة ليتدخل شخصياً ويوجه الإدارات التنفيذية بالمحليات لمراجعة هذه القرارات التي تقود عملياً إلى تدمير ما تبقى من العملية التعليمية، وإلى إنهاك المواطن أكثر مما هو منهك.

ونذكّر أن إدارة التعليم الخاص بمحلية شرق النيل نفسها كانت قد تنازلت عن نسبة الـ 5% المقتطعة من كل طالب، تقديراً للظروف الاستثنائية التي مرت بها المدارس، فما الذي يمنع ادارات المحلية الأخرى وقطاعاتها من أن تحذو ذات الحذو وتشارك في التخفيف بدلاً من التصعيد؟

بالضرورة لا يمكن ان يتحول التعليم الي سلعة للجباية، أو وعاءً سهلاً لتوفير إيرادات المحليات. التعليم هو حق أصيل وركيزة أساسية في أي مشروع وطني للتعافي. التضييق على المدارس الخاصة في هذه المرحلة الحساسة لا يعني سوى خيارين كلاهما مرّ: إغلاق المدارس أو رفع الرسوم. وفي الحالتين، الخاسر الأكبر هو الطالب السوداني، والمجتمع بأسره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى