اعمدة ورأي

الصادق إسماعيل علي بكتب.. نٓكزة : العائدون إلى “حضن الوطن”… أم إلى منصة المؤتمر الصحفي وكراسي السلطة ؟

الصادق إسماعيل علي بكتب.. نٓكزة : العائدون إلى “حضن الوطن”... أم إلى منصة المؤتمر الصحفي وكراسي السلطة ؟

الصادق إسماعيل علي بكتب..
نٓكزة :
العائدون إلى “حضن الوطن”… أم إلى منصة المؤتمر الصحفي وكراسي السلطة ؟

من الأشياء المحيرة في بلادنا أن بعض الناس يدخلون الحرب من باب الخيانة، ثم يخرجون منها عبر الباب الدوّار للمؤتمرات الصحفية، وكأنهم كانوا في دورة تدريبية لا في معركة سالت فيها الدماء وانتهكت فيها الأعراض وضاعت فيها الأوطان.
لا شك أن عودة بعض قيادات المقاتلين في صفوف التمرد إلى جادة الحق والصواب — سواء كانت توبة خالصة، أو نتيجة عمل استخباري ناجح — أمر يُحمد من حيث المبدأ؛ لأنه يقلل كلفة الحرب، ويعجل بإيقاف نزيف الوطن، ويخفف معاناة الناس الذين طحنهم الرصاص والجوع والنزوح.
كما أن سقوط الحق العام عن هؤلاء إذا تابوا قبل القدرة عليهم أصل شرعي واضح لا جدال فيه، قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
لكن المشكلة ليست هنا.
المشكلة أن بعض الجهات تتعامل مع هؤلاء وكأنهم عادوا من بعثة دبلوماسية، لا من مشروع خراب كامل استباح المدن والقرى والبيوت.
يُستقبلون بالابتسامات، وتُفتح لهم المنصات، وتُنصب لهم الكاميرات، ثم يظهر الواحد منهم بملابس مكوية وربطة عنق وطنية، يحدث الناس عن الحرص على السودان، وكأنه لم يكن بالأمس يحمل السلاح في وجهه!
أما أسر الشهداء والضحايا، فيُطلب منها — ضمنيًا — أن تتابع العرض في هدوء، وأن تتقبل فكرة أن من أحرق بيتها ونهب مالها وقتل أبناءها قد أصبح “ضيف شرف” في المؤتمر الصحفي القادم.
هذا المشهد مستفز للغاية، ولا يخدم العدالة، ولا يساعد على بناء دولة قانون، بل يرسل رسالة خطيرة مفادها أن الجرائم الكبرى يمكن أن تُغسل إعلاميًا بمؤتمر صحفي وبعض العبارات الوطنية المحفوظة.
نعم، من حق الدولة أن تستفيد استخباريًا وعسكريًا من العائدين، وأن تستقبل التائبين، فهذا باب معروف في إدارة الحروب والصراعات. لكن ليس من الحكمة أن يتحول بعضهم إلى نجوم شاشات، أو محللين عسكريين، أو مرشحين مستقبليين لمقاعد السلطة، وكأن الوطن مصاب بقصر ذاكرة مزمن.
الأولى بالدولة أن تتسلمهم، وتجردهم من السلاح، وتحقق معهم استخباريًا وقانونيًا، ثم تُبعدهم عن الأضواء، لا أن تمنحهم مساحة لاستعراض المعلومات والبطولات الوهمية على الهواء مباشرة.
ثم إن القوات المسلحة، ومن خلفها الشعب السوداني، لم تكن أصلًا في حاجة إلى خدماتهم حتى ينتصر الوطن.
فالجيش يهزمهم في الميدان وهم يحملون السلاح ضده، فكيف يصبحون بعد الهزيمة إضافة نوعية لا غنى عنها؟!
الحقيقة التي يجب ألا تضيع وسط ضجيج المؤتمرات أن هؤلاء لم يعودوا لأنهم انتصروا، بل لأنهم هُزموا.
ولهذا، فإن أقل ما ينبغي عليهم فعله هو التواري خجلًا من الجرائم التي ارتُكبت تحت راياتهم، وإعلان التوبة الصريحة، والاستعداد للمحاسبة ورد الحقوق إلى أهلها، وطلب العفو من الشعب السوداني، قبل الحديث عن العودة إلى “حضن الوطن”… أو حجز مقعد جديد في حضن السلطة.
فالبلاد التي تنسى جراحها سريعًا، غالبًا ما تُفاجأ بأن الجلاد نفسه عاد إليها، ولكن هذه المرة مرتديًا بدلة رسمية.
دمتم سالمين …. آمنين… تآمين …. لآمين .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى