اعمدة ورأي

تنوير النعمان حبيب الله حين يُحاصر السوق بقرارات مرتجلة… من يحمي المواطن؟

تنوير النعمان حبيب الله حين يُحاصر السوق بقرارات مرتجلة… من يحمي المواطن؟

تنوير
النعمان حبيب الله حين يُحاصر السوق بقرارات مرتجلة… من يحمي المواطن؟

في لحظةٍ تبدو فيها البلاد أحوج ما تكون إلى الانفراج لا الانغلاق، خرجت قرارات حظر بعض السلع المستوردة كمن يسكب الزيت على نارٍ مشتعلة أصلاً. السوق يترنح، المواطن يئن، والقدرة الشرائية تكاد تلامس القاع، ثم تأتي الدولة لتضيف عبئًا جديدًا تحت لافتة “تنظيم الاستيراد” أو “حماية المنتج الوطني”، بينما الحقيقة الماثلة تقول: أي منتج وطني هذا الذي نريد حمايته وهو غائب أو شبه ميت؟
إن الحديث عن حظر السلع في ظل واقع اقتصادي هش، هو حديث سابق لأوانه، بل أقرب إلى القفز في الظلام. المصانع التي يُفترض أن تسد فجوة هذه السلع، دمرتها حرب الكرامة، وما تبقى منها يعاني من شللٍ شبه كامل. كهرباء متذبذبة في الأحياء السكنية، ومنعدمة في المناطق الصناعية، وماكينات خرجت عن الخدمة، ورؤوس أموال هربت أو تجمدت خوفًا من المجهول.
الغرفة التجارية حين رفضت هذا الحظر، لم تكن تدافع عن الاستيراد بقدر ما كانت تدق ناقوس الخطر. فالسوق لا يُدار بالشعارات، ولا يُحمى بالقرارات الفوقية، وإنما بتوازن دقيق بين العرض والطلب، وبين القدرة الإنتاجية والاحتياج الاستهلاكي. وهذا التوازن مفقود تمامًا في المشهد الحالي.
وزارة المالية – التي يبدو أن هاجسها الأول هو “الجبايات” – مطالبة اليوم بأن تعيد ترتيب أولوياتها. ليس من المنطقي أن تُغلق أبواب الاستيراد بينما لم تُفتح بعد أبواب الإنتاج. وليس من العدالة أن يُترك المواطن فريسة لندرة السلع وارتفاع أسعارها، فقط لأن الدولة أرادت أن تُجرب سياسة اقتصادية على أرضٍ غير مهيأة.
قبل الحظر، كان الواجب واضحًا:
تهيئة بيئة الاستثمار، تقديم إعفاءات حقيقية وجاذبة، دعم أصحاب المصانع لإعادة تأهيل منشآتهم، تسهيل دخول الآليات الحديثة، وضمان استقرار التيار الكهربائي كحدٍ أدنى لأي عملية إنتاج. هذه ليست رفاهيات، بل شروط بديهية لأي حديث جاد عن إحلال الواردات.
أما أن يُطلب من مصانع مدمرة أن تنهض فجأة، ومن سوقٍ مختل أن يتوازن بقرار إداري، فذلك أقرب إلى الوهم منه إلى التخطيط.
الحظر في هذه الظروف لن يكون حماية للاقتصاد، بل خنقًا له. لن يدعم المنتج الوطني، بل سيخلق سوقًا سوداء، ويُضاعف معاناة المواطن الذي لا يجد أصلًا ما يشتريه أو لا يملك ثمنه.
الدولة اليوم أمام اختبار حقيقي:
إما أن تختار طريق الإصلاح المدروس الذي يبدأ من دعم الإنتاج، أو تواصل سياسة “رد الفعل” التي تدفع ثمنها الجماهير وحدها.
الرسالة واضحة وقاسية:
لا تحاصروا السوق قبل أن تُحيوا المصانع، ولا ترفعوا شعارات الحماية وأنتم لم تبنوا بعد أساس الإنتاج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى