اعمدة ورأي

*لتسويه السياسيه بين مظالم الشعب وعودة المليشيا بقلم :نوراني محمد عبدالرحمن

*لتسويه السياسيه بين مظالم الشعب وعودة المليشيا بقلم :نوراني محمد عبدالرحمن

*لتسويه السياسيه بين مظالم الشعب وعودة المليشيا
بقلم :نوراني محمد عبدالرحمن

تشهد الساحة السودانية هذه الأيام عودة متسارعة لقيادات وعناصر من المليشيا، تعلن انحيازها للقوات المسلحة واصطفافها مع الصف الوطني. وهي خطوة، رغم أهميتها في إضعاف المليشيا وتفكيك بنيتها من الداخل، تطرح أسئلة شائكة تتجاوز البعد العسكري إلى جوهر العدالة والحقوق والمحاسبة.

لا أحد يرفض مبدأ التوبة والعودة إلى الوطن، ولا أحد يعارض إيقاف نزيف الحرب وحقن الدماء، لكن القضية الحقيقية تكمن في: من يملك حق العفو عن الجرائم المرتكبة؟ ومن يحق له التنازل عن الدماء والأموال والأعراض التي انتهكت تحت سمع العالم وبصره؟

فالجرائم التي ارتُكبت ليست مجرد أخطاء سياسية تُطوى بتفاهمات الغرف المغلقة، ولا يمكن اختزالها في بيانات اعتذار أو إعلان انضمام لهذا الطرف أو ذاك. هناك مواطنون فقدوا أبناءهم، وأسر شُردت، وبيوت نُهبت، وكرامات دِيست تحت أقدام الحرب. فهل يملك السياسيون حق تجاوز هذه المظالم باسم التسوية؟

المؤسف أن حملات التبرير بدأت مبكرًا عبر بعض المنصات الإعلامية، تحت شعارات “التسامح” و”ضرورات المرحلة” و”تقديم مصلحة الوطن”. وكأن العدالة أصبحت عبئًا يجب التخلص منه، لا أساسًا يُبنى عليه السلام الحقيقي.

إن أخطر ما واجه السودان عبر تاريخه السياسي هو ثقافة الإفلات من العقاب، تلك الثقافة التي حولت كل حرب إلى مشروع قابل للتكرار، وكل مجرم إلى شريك محتمل في السلطة متى ما امتلك القوة والسلاح. ولهذا ظل الوطن يدور في الحلقة الجهنمية نفسها: تمرد، حرب، تسوية، ثم تمرد جديد.

أي تسوية سياسية لا تقوم على العدالة الانتقالية، ورد الحقوق، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المتورطين وفق القانون، ستكون تسوية هشة ومجحفة، بل وستُعد مكافأة صريحة لمن حمل السلاح وأفسد وقتل ونهب. فالسلام الحقيقي لا يُصنع بتبييض الجرائم، وإنما بالاعتراف بها ومحاسبة مرتكبيها وإنصاف المتضررين منها.

إن الشعب السوداني لا يرفض السلام، لكنه يرفض أن يتحول السلام إلى صفقة سياسية تُدفن فيها آلام الضحايا تحت موائد التفاوض. فالتراضي الوطني لا يتحقق بالقفز فوق الجراح، بل بالاعتراف بها ومعالجتها بعدالة وشجاعة.

ويبقى السؤال الكبير: هل تتعلم النخب السياسية من دروس الماضي، أم تعيد إنتاج ذات الأخطاء التي أوصلت البلاد إلى هذا الخراب؟ لأن أي تسوية لا تُنصف المظلوم، ستظل مجرد هدنة مؤقتة تُمهّد لحرب جديدة أكثر قسوة واتساعًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى